تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم، سلامة ابن عربي من القتل هي الشاهد على ذلك؛ لأن القول بوحدة الوجود كان من علائم الزيغ والضلال، وهذه النظرية تبدو لأول وهلة غاية في السخف، ومن الذي يتوسم العقل في رجل يقف على قارعة الطريق ويقول: «أنا الله» مع أنه لا يستطيع أن يقول: «أنا حاكم هذا البلد»، وقد يكون في حالة من المتربة لا تمكنه من أن يقول: «أنا صاحب هذا الثوب!!»

والفطرة الإنسانية تنكر أشد الإنكار أن يقول مخلوق: «أنا الله»، وكان القائلون بوحدة الوجود لا يحلو لهم غير هذا التعبير، وهو تعبير شائك، وكان جزاؤهم عليه أن يسلخوا أمام الناس.

37

أثر ابن عربي في الأدب والأخلاق

تهيب ابن أن يصرح بوحدة الوجود، ونفاها عنه كثير من أقطاب العلماء. ولكن هل تصرفنا هذه المناورات عن معرفة رأيه في وحدة الوجود؟

الواقع أنه يدور حول هذه النظرية ويكاد يفصح عنها بقوله في الفصوص:

فلولاه ولولانا

لما كان الذي كانا

فإنا أعبد حقا

وإن الله مولانا

وإنا عينه فاعلم

إذا ما قلت: إنسانا

فلا تحجب بإنسان

فقد أعطاك برهانا

فكن حقا وكن خلقا

تكن بالله رحمانا

وغذ خلقه منه

تكن روحا وريحانا

فأعطيناه ما يبدو

به فينا وأعطانا

فصار الأمر مقسوما

بإياه وإيانا

38

وهو في الفتوحات يصل إلى هذه النظرية عن طريق التدرج في ترتيب الموجودات فيقول:

اعلم أن المعلومات أربعة: الحق تعالى، وهو الموصوف بالوجود المطلق؛ لأنه سبحانه ليس معلولا لشيء ولا علة، بل هو موجود بذاته، والعلم به عبارة عن العلم بوجوده، ووجوده ليس غير ذاته، مع أنه غير معلوم الذات، لكن يعلم بما هو عليه من صفات المعاني وهي صفات الكمال، وأما العلم بحقيقة ذاته فممنوع لا يعلم بدليل ولا برهان عقلي ولا يأخذها حد، فإن الله سبحانه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، فكيف يعرف من يشبه الأشياء وتشبهه من لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئا، فمعرفتك به إنما هي أنه ليس كمثله شيء ... ومعلوم ثان، هو الحقيقة الكلية التي هي للحق وللعالم، لا تتصف بالوجود ولا بالعدم، ولا بالحدوث ولا بالقدم، إذ هي في القديم إذا وصف بها قديمة، وفي المحدث إذا وصف بها محدثة، فلا تعلم المعلومات قديمها وحديثها حتى تعلم هذه الحقيقة، ولا توجد هذه الحقيقة حتى توجد الأشياء الموصوفة بها، فإن وجد شيء من غير عدم متقدم كوجود الحق وصفاته قيل فيها: موجود قديم لاتصاف الحق بها، وإن وجد شيء عن عدم كوجود ما سوى الله تعالى وهو المحدث الموجود بغيره قيل فيها: محدثة، وهي في كل موجود بحقيقتها فإنها لا تقبل التجزؤ فما فيها كل ولا بعض، ولا يتوصل إلى معرفتها مجردة عن الصورة بدليل ولا برهان، ومن هذه الحقيقة وجد العالم بوساطة الحق تعالى، ولم تكن بموجودة فيكون الحق قد أوجدنا من موجود قديم يثبت لنا القدم، وكذلك لتعلم أيضا أن هذه الحقيقة لا تتصف بالتقدم على العالم ولا بالتأخر عنه، ولكنها أصل الموجودات عموما، وهي أصل الجوهر وفلك الحياة والحق المخلوق به، وغير ذلك، وهي الفلك المحيط المعقول، فإن قلت: إنها العالم صدقت، أو إنها ليست العالم صدقت، أو إنها الحق أو ليست الحق صدقت، تقبل هذا كله وتتعدد بتعدد أشخاص العالم، وتتنزه بتنزيه الحق. وإن أردت مثالها حتى تقرب إلى فهمك فانظر في العودية في الخشبة والكرسي والمحبرة والمنبر والتابوت، وكذلك التربيع وأمثاله من الأشكال في كل مربع مثلا من تابوت وبيت وورقة، فالتربيع والعودية يحققانها في كل شخص من هذه الأشخاص، وكذلك الألوان كبياض الثوب والجوهر والكاغد والدهان والدقيق، من غير أن تتصف البياضية المعقولة بالانقسام حتى يقال: إن بياض الثوب جزء منها، بل حقيقتها ظهرت في الثوب كما ظهرت في الكاغد، وكذلك العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وجميع الأسماء كلها. ومعلوم ثالث وهو العالم كله، الأملاك والأفلاك وما تحويه من العوالم والهواء والأرض وما فيهما من العالم وهو الملك الأكبر. ومعلوم رابع وهو الإنسان الخليفة الذي جعل الله هذا العالم المقهور تحت تسخيره.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٦٦