وشهدوا على الجنيد بالكفر مرارا حين كان يتكلم في علم التوحيد على رءوس الأشهاد فصار يقرره في عقر بيته إلى أن مات.
وأخرجوا محمد بن الفضل البلخي من بلخ لكون مذهبه كان مذهب أهل الحديث من إجراء آيات الصفات وأخبارها على ظاهرها بلا تأويل والإيمان بها على علم الله فيها، ولما أرادوا إخراجه قال: لا أخرج إلا إن جعلتم في عنقي حبلا ومررتم بي في أسواق البلد وقلتم: هذا مبتدع نريد أن نخرجه من بلدنا، ففعلوا ذلك وأخرجوه. فالتفت إليهم وقال: يا أهل بلخ، نزع الله من قلوبكم معرفته! قال الأشياخ: فلم يخرج بعد دعوته عليهم تلك من بلخ صوفي أبدا، مع أنها كانت أكبر بلاد الله صوفية.
وأخرجوا أبا عثمان المغربي من مكة مع كثرة مجاهدته وتمام علمه وحاله وضربوه ضربا مبرحا، وطافوا به على جمل فأقام ببغداد إلى أن مات.
وشهدوا على الشبلي بالكفر مرارا مع تمام علمه وكثرة مجاهداته وأدخله أصحابه البيمارستان؛ ليرجع الناس عنه مدة طويلة.
وأخرجوا الإمام أبا بكر النابلسي مع فضله واستقامته في طريقته من المغرب إلى مصر، وشهدوا عليه بالزندقة عند سلطان مصر فأمر بسلخه منكوسا فصار يقرأ القرآن وهم يسلخونه بتدبر وخشوع حتى قطع قلوب الناس وكادوا يفتنون به.
ورموا الشيخ أبا مدين بالزندقة وأخرجوه من بجاية إلى تلمسان.
وأخرجوا أبا الحسن الشاذلي من مصر، وشهدوا عليه بالزندقة.
ورموا عز الدين بن عبد السلام بالكفر وعقدوا له مجلسا في كلمة قالها في عقيدته وحرشوا السلطان عليه.
ورموا تاج الدين السبكي بالكفر، وشهدوا عليه أنه يقول: بإباحة الخمر والفاحشة وأنه يلبس في الليل الغيار والزنار، وأتوا به مغلولا مقيدا من الشام إلى مصر، وخرج جمال الدين الأسنوي فتلقاه من الطريق وحكم بحقن دمه.
قال الشعراني: وإنما ذكرنا لك يا أخي محن هذه الأمة من المتقدمين والمتأخرين تأنيسا لك، لتقبل على مطالعة كتب الصوفية، ولا سيما الشيخ محيي الدين؛ لأن هؤلاء الأئمة ثناؤهم عندنا كالمسك الأذفر، فكما لا يقدح في كمالهم ما قيل فيهم كذلك لا يقدح ما قيل في كمال الشيخ محيي الدين.
34
وهذه الوثيقة النفيسة صدرها الشعراني بقول السيوطي: ومما أنعم الله به علي أن أقام لي عدوا يؤذيني ويمزق عرضي: ليكون لي أسوة بالأنبياء والأولياء، وقد حدثنا أن النسيمي كان يقطع أهل حلب بالحجج فاحتالوا له. وكانت الحيلة أن كتبوا سورة الإخلاص في ورقة ورشوا من يخيط النعال وقالوا: هذه ورقة محبة وقبول فضعها لنا في أطباق النعل، ثم أخذوا ذلك النعل وأهدوه إلى الشيخ من طريق بعيدة فلبسه وهو لا يشعر،
35
ثم طلعوا لنائب حلب وقالوا له: قد بلغنا من طريق صحيحة أن النسيمي كتب
قل هو الله أحد ، وجعلها في طباق نعله، وإن لم تصدقنا فأرسل وراءه وانظر ذلك، ففعل، فاستخرجوا الورقة، فسلم الشيخ لله تعالى ولم يجب عن نفسه وعلم أنه لا بد أن يقتل على تلك الصورة.
قال الشعراني: وأخبرني بعض تلامذة تلامذته أنه صار ينشئ
36
موشحات في التوحيد وهم يسلخونه حتى عمل خمس مئة بيت، وكان ينظر إلى الذي يسلخه وهو يبتسم.
رأيه في نشوء الموجودات
قد يسأل القارئ : وهل لنقل هذه الوثيقة أهمية في بناء هذا الفصل غير العبرة والتأسي؟
ونجيب بأن لها أهمية أعظم من تلك، فإن الشعراني استطرد في ذكر ما ابتلي به الأئمة والأولياء وتجاهل شخصية واحدة لقيت الحتف في سبيل الحق، وتلك شخصية الحلاج الذي أوذي أبلغ إيذاء، وإنما تجاهل الشعراني شخصية الحلاج؛ لأنه كان يقول: بوحدة الوجود، وذكره بالخير في مثل هذا السياق قد يعرض ابن عربي لتهمة لا يرضاها له صاحب اليواقيت.
الحقيقة المحمدية
قلنا: إن ابن عربي تحفظ واحترس ليسلم من القتل، فهل تكون سلامته من القتل هي الدليل على أنه لم يتورط في القول بوحدة الوجود؟