تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

30

ولولا تحفظ ابن عربي لما استطاع أن ينجو في حياته من القتل، ولما استطاع مريدوه من بعد أن ينفوا عنه القول بوحدة الوجود أو الحلول، وسنرى عبد الغني النابلسي يقبح من يقول: بالحلول أو وحدة الوجود، والنابلسي كان من المفتونين بابن عربي ومن الذين اهتموا بأشعاره فرووها وتعقبوها بالتشطير والتخميس.

صور من شقاء العلماء والأولياء

والشعراني مطمئن كل الطمأنينة إلى أن خصوم ابن عربي زوروا عليه مسائل كثيرة، وحدثنا أن شخصا من اليمن اسمه جمال الدين بن الخياط كتب مسائل في درج وأرسلها إلى العلماء ببلاد الإسلام وقال: هذه عقائد الشيخ محيي الدين بن العربي وذكر فيها عقائد زائغة ومسائل خارقة لإجماع المسلمين، فكتب العلماء على ذلك بحسب السؤال وشنعوا على من يعتقد ذلك من غير تثبت، والشيخ عن كل ذلك بمعزل.

31

ومن قبل الشعراني تعصب الفيروزآبادي صاحب القاموس لابن عربي ودافع عنه أحر دفاع.

32

وفي كتاب اليواقيت أسماء لطائفة من أعلام الفقهاء نفوا عن ابن عربي كل ريبة وأثنوا عليه أطيب الثناء.

وهذا كله يشهد بأن ابن عربي لم يمكن خصومه من مطاردته وهو حي، وإن كان من الممكن جدا أن يكون ستر آراءه حين اصطنع بعض الرموز والإشارات على نحو ما فعل أقطاب الصوفية الذين لم يروا فائدة في التعرض للقتل.

دوران ابن عربي حول وحدة الوجود

والإساءة إلى ابن عربي في دينه وعقيدته ساقت إلينا وثيقة أدبية قليلة الأمثال، وثيقة يجب تدوينها في هذا الكتاب؛ لتكون شاهدا على أثر التصوف في الأدب، ولتكون عبرة لمن يسوءه أن يناله الأذى من الناس بسبب الحرية في الفكر والقول.

وهل من القليل في متعة العقل والذوق أن نتذكر أن أبا الدرداء قال: أزهد الناس في العالم أهله وجيرانه، إن كان في حسبه شيء عيروه، وإن كان عمل في عمره ذنبا عيروه.

وأن كعب الأحبار قال: ما كان رجل حليم في قومه قط إلا بغوا عليه وحسدوه.

وأن الجلال السيوطي قال: ما كان كبير في عصر قط إلا كان له عدو من السفلة، إذ الأشراف لم تزل تبتلى بالأطراف، فكان لآدم إبليس، وكان لنوح حام وغيره، وكان لداود جالوت وأضرابه، وكان لسليمان صخر، وكان لعيسى بختنصر، وكان لإبراهيم النمرود، وكان لموسى فرعون، وهكذا إلى محمد

صلى الله عليه وسلم

له أبو جهل.

وكان لابن عمر عدو يعبث به كلما مر عليه.

ونسبوا عبد الله بن الزبير إلى الرياء والنفاق في صلاته فصبوا على رأسه ماء حميما فزلع وجهه ورأسه وهو لا يشعر، فلما سلم من صلاته قال: ما شأني؟ فذكروا له القصة فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل! ومكث زمانا يتألم من رأسه ووجهه.

وكان لابن عباس نافع بن الأزرق، كان يؤذيه أشد الأذى ويقول: إنه يفسر القرآن بغير علم.

وكان لسعد بن أبي وقاص جهلة من رجال الكوفة يؤذونه مع أنه مشهود له بالجنة، وشكوه إلى عمر بن الخطاب وقالوا : إنه لا يحسن أن يصلي.

ولا يخفى ما قاساه الإمام أبو حنيفة مع الخلفاء، وما قاساه الإمام مالك واستخفاؤه خمسا وعشرين سنة لا يخرج لجمعة ولا جماعة، وكذلك ما قاساه الإمام الشافعي من أهل العراق وأهل مصر،

33

وكذلك لا يخفى ما قاساه الإمام أحمد بن حنبل من الضرب والحبس، وما قاساه البخاري حين أخرجوه من بخارى إلى خرتنك.

وقد نفى أبو يزيد البسطامي سبع مرات من بسطام بواسطة جماعة من علمائها.

وشيعوا ذا النون المصري من مصر إلى بغداد مقيدا مغلولا وسافر معه جماعة من أهل مصر يشهدون عليه بالزندقة.

ورموا سمنون المحب بالعظائم، ورشوا امرأة من البغايا فادعت عليه أنه يأتيها هو وأصحابه، واختفى بسبب ذلك سنة.

وأخرجوا سهل بن عبد الله التستري من بلده إلى البصرة ونسبوه إلى قبائح وكفروه مع إمامته وجلالته.

ورموا أبا سعيد الخراز بالعظائم وأفتى العلماء بكفره بألفاظ وجدوها في كتبه.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٦٤