واتفق له أن يحكم بأن «الظاهرين بأمر الله لا يرون سوى الله في الأكوان وأن الأكوان عندهم مظاهر الحق».
25
وهذا له تأويل، وليس من المحتم أن يكون نصا في القول بوحدة الوجود.
وقد صرح بأنه «إذا تخللت المعرفة بالله أجزاء العارف من حيث ما هو مركب فلا يبقى فيه جوهر فرد إلا وقد حلت فيه معرفة ربه فهو عارف به بكل جزء منه، ولولا ذلك ما انتظمت أجزاؤه، ولا ظهر تركيبه، ولا نظرت روحانيته طبيعته، فبه تعالى انتظمت الأمور معنى وحسا وخيالا، وكذلك أشكال الإنسان لا تتناهى ولا ينتظم منها شكل إلا بالله».
26
ولهذا أيضا تأويل.
وعند مراجعة الفتوحات نجد إشارات كثيرة إلى مقامات الأولياء ونرى ابن عربي يتحفظ ويحترس، فلا ينص صراحة على وحدة الوجود، وإن كان دفاعه عن الحلاج يؤذن بارتياحه إلى هذه النظرية، ويشعر بأنه يتحامى التصريح خوفا من التعرض لحملات من يقفون عند الظواهر من الفقهاء.
ومن ذلك ما وقع له عند شرح هذين البيتين:
يا رب جوهر علم لو أبوح به
لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي
يرون أقبح ما يأتونه حسنا
فقد نقل أن الرسول قال: «إن الله خلق آدم على صورته» بإعادة الضمير على الله في بعض محتملاته، ثم بين أن الناس يسمعون هذا من النبي فيصدقون، فإذا قال الولي شيئا مثله أنكروا عليه وأباحوا دمه، مع أنه يمكن للولي أن يطلع على غوامض العلوم الإلهية كما يطلع الرسول.
27
وابن عربي شديد الولع بالمقارنات بين الرسل والأولياء، وعنده أن الرسل لا يتفردون إلا بمزية واحدة هي التشريع، أما الإطلاع على أسرار الوجود فهو من الحظوظ التي تتاح للأولياء.
وما أحسب الفرصة سنحت أبدا لابن عربي، الفرصة التي تمكنه من أن يقول: أنا الله، كما قال أبو يزيد وكما قال الحلاج، وهو حين يروي هذه الكلمة يلتمس لها مخارج من مقبول التأويل.
دفاع الشعراني عن ابن عربي
وتحفظ ابن عربي مكن من جاء بعده من الدفاع عنه، فقد قال السراج البلقيني: «كذب والله وافترى من نسبه إلى القول بالحلول والاتحاد»
28
وصنف السيوطي كتابا سماه «تنبيه الغبي في تبرئة ابن العربي» وقال الشعراني: «مما أنكره المتعصبون على الشيخ بحسب الإشاعة قولهم: إن الشيخ محيي الدين يقول بفساد قول: «لا إله إلا الله» وذلك كفر، والجواب بتقدير صحة ذلك عنه أن المراد أن الحق تعالى ثابت في ألوهيته قبل إثبات المثبت، ومن كان ثابتا لا يحتاج إلى إثباتك، إذ ما ثم من تثبت ألوهيته من الخلق حتى ينفي، وإنما تعبد المؤمن بذلك علي سبيل التلاوة ليؤجره الله علي ذلك... ومن ذلك دعاوى المنكر أن الشيخ يقول في كتبه مرارا: (لا موجود إلا الله) فالجواب أن معنى ذلك بتقدير صحته عنه أنه لا موجود قائم بنفسه إلا هو تعالى، وما سواه قائم بغيره، كما أشار إليه حديث: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) ومن كان حقيقته كذلك فهو إلى العدم أقرب، إذ هو وجود مسبوق بعدم، وفي حال وجوده متردد بين وجود وعدم لا تخلص لأحد الطرفين،
29
فإن صح أن الشيخ قال: (لا موجود إلا الله) فإنما قال ذلك عند ما تلاشت عنده الكائنات حين شهوده الحق تعالى بقلبه، كما قال أبو القاسم الجنيد: «من شهد الحق لم ير الخلق»، ومن ذلك دعوى المنكر أن الشيخ رحمه الله جعل الحق والخلق واحدا في قوله في بعض نظمه:
فيحمدني وأحمده
ويعبدني وأعبده
بتقدير صحة ذلك عنه، والجواب أن معنى يحمدني أنه يشكرني إذا أطعته، كما في قوله تعالى:
فاذكروني أذكركم . وأما في قوله: (ويعبدني وأعبده) أي: يطيعني بإجابته دعائي، كما قال تعالى:
لا تعبدوا الشيطان
أي: لا تطيعوه، وإلا فليس أحد يعبد الشيطان كما يعبد الله. وقد ذكر الشيخ في الباب السابع والخمسين وخمس مئة من الفتوحات المكية بعد كلام طويل ما نصه: وهذا يدلك صريحا على أن العالم ما هو عين الحق تعالى إذ لو كان عين الحق تعالى ما صح كون الحق تعالى بديعا.