وقد حملني هذا الفهم على إقرار مبالغات الشعراء حين يحكمون بأن الشمس والقمر والنجوم جزعت لموت من يبكون من الأعزاء. وبدا لي أنه لا يبعد أن يجيء يوم يثبت فيه أنه لا تجف ورقة، ولا تسقط ثمرة، إلا ويتأثر الوجود كله تأثرا يتناسب مع الموجود الذي يناله الجفاف أو السقوط.
وهذه القوة الكهربائية التي تربط العالم بعضه ببعض تنفي الحرية الذاتية، وتجعلنا مقرونين إلى القطار الخالد، قطار الموجودات من أراض وبحار وأنهار وجبال وكواكب ونجوم، وما لا نعلم من أشتات الوجود.
قد تقولون: إن الله هو الذي خلق العالم وربطه بذلك الرباط الكهربائي الوثيق.
وهو كذلك، ولكن أين الله؟ أين كان قبل أن يخلق هذا الوجود؟
تقولون: إنه منزه عن الحيز والجهة والمكان.
صدقتم، ولكن انتظروا حتى تخلق الأفهام التي تتصور موجودا بلا حيز ولا جهة ولا مكان.
لا تظنوني أتسامى إلى حل هذه المشكلة حلا نهائيا، هيهات، وإنما أردت أن أبين كيف اضطر بعض الفلاسفة إلى القول بوحدة الوجود، والله وحده يعلم أين مكان الخطأ في هذه المسألة، وأين مكان الصواب.
تهافت من يقولون بهذه النظرية
والمهم أن نعرف الآن كيف يصح التكليف مع القول بوحدة الوجود.
ونسارع فنقرر أن الذين يقولون بوحدة الوجود يتهافتون كل التهافت حين يضعون قواعد الأخلاق؛ لأنهم لا يعرفون أين مناط الثواب والعقاب، وإن ظن العاملي أنه فصل في هذه القضية حين قال:
فإن قيل: فمن المثاب والمعاقب والمنعم والمعذب في الدار الآخرة إذا كان الوجود واحدا؟ أجيب بأن في الدنيا غني وفقير وعزيز وذليل ومالك ومملوك فكذلك في الدار الآخرة.
21
وهذا جواب ليس فيه شفاء.
وقد رجعت إلى سبينوزا أستفتيه فلم أجد عنده ما يقنع، فهو من القائلين بوحدة الوجود ومن الذين رفعوا علم هذه النظرية بين الفلاسفة الأوربيين، ولكنه يتهافت حين يتكلم عن الشخصية الخلقية، وكيف يكون للإنسان خلق وهو على حد تعبيره يحلم وعيناه مفتوحتان
22
إن سبينوزا يقضي بأن الأشياء جميعا تتعلق بإرادة الله، ولا يمكن تغيير ما تقوم عليه الأشياء إلا بتغيير إرادة الله وإرادة الله لا يلحقها تغيير؛ لأن هذا ينافي الكمال، وإذن لا يلحق الأشياء تعديل ولا تبديل.
22
إن غاية الأخلاق عند سبينوزا هي السعادة، والسعادة عنده ليست إلا طمأنينة النفس التي تنشأ من معرفة الله، والله هو كل الوجود، فأين الشخصية الإنسانية التي تحب وتبغض وتحسن وتسيء، في حرية واستقلال، حتى تصلح صلاحية واقعية للثواب والعقاب؟
إن القول بوحدة الوجود يأتي على قواعد الأخلاق من الأساس، ونحن لا نملك التفريط في قواعد الأخلاق، ولا نملك النيل من أصول القوانين؛ لأن أقل محاولة من هذا النوع تعرض المجتمع للفساد، وتسوق الفلاسفة أنفسهم إلى مهاوي الفناء.
هل قال ابن عربي بوحدة الوجود؟
ولكن هل قال ابن عربي بوحدة الوجود؟
يجب أن نعترف بأن أصول الأخلاق عند ابن عربي تقوم على قواعد الشريعة، وهو في هذه المسألة لا يوارب ولا يحتال، وكل ما في الأمر أنه يقسم الناس إلى قسمين: قسم العوام وقسم الخواص، فالعوام لهم ظاهر الشرع، والخواص ينقسمون إلى طبقات، ولهم أن يفهموا الحقيقة بحسب ما يملكون من قوة الاستعداد، وقد اتفق له أن يصرح بأن «العالم لا يقدرون أن يخرجوا عن الحق فهو وجودهم ومنه استفادوا الوجود، وليس الوجود خلاف الحق خارجا عنه يعطيهم منه
23
بل هو الوجود وبه ظهرت الأعيان. يقول القائل بحضرة رسول الله
صلى الله عليه وسلم :
والله لولا «أنت» ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا
والنبي يعجبه ذلك ويصدقه في قوله، فنحن به وإليه، فإذا نظرنا إلى ذواتنا وإمكاننا فقد خرجنا عنه، وإمكاننا يطلبنا بالنظر إليه، فإنه الموجد لنا بوجوده من وجوده».
24
ومعنى ذلك أننا موجودون بوجود الله؛ ونشتاق إليه لأنه أصل الوجود.