تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد فكرت في هذا المذهب طويلا، وهو عندي من الوجهة النظرية مقبول، على شرط أن نتجاهل جميع المصطلحات، فنحن إلى اليوم لا نعرف الله كما ينبغي أن يعرف. ومن المحتمل أن نكون أضفنا إليه صفات لا نعرف حظها من الصدق، فنحن ننزهه عن كل ما يلابس الناس، ونقضي بأن ليس كمثله شيء، كما قضى القرآن، وهنا يبدأ الخطر؛ لأننا إن كذبنا القرآن فماذا تملك؟ وما الدليل على أن القرآن أسرف؟ القرآن يقضي بأن ليس كمثله شيء، فأين اليقين عندنا على أنه يشبه شيئا أو يشبهه شيء؟

نحن نصف الله بالغنى المطلق، والفطرة هي التي هدتنا إلى ذلك، ولا نكاد نصدق أن واهب الوجود يحتاج إلى شيء، وإن احتاج كما نحتاج فأين تكون عظمته الذاتية؟

ونحن حين نقول بوحدة الوجود نقضي بأننا جزء من الوحدة الإلهية، ولا شك أن فينا شمائل روحية وخلقية تدعونا إلى القول بصحة ذلك الادعاء، ولكننا نتلفت فنرانا نعرى ونظمأ ونجوع، ونرى أكبر المتفلسفين لا يغنيه التفلسف عن طلب الرزق، وتمر بنا أحداث نرى الناس فيها صغارا جدا لا يصلحون أبدا للاتسام بالسمة الإلهية.

يضاف إلى ذلك أن القول بوحدة الوجود يجعل الثواب والعقاب من المشكلات، فمن الذين يثيبنا حين نحسن؟ ومن الذي يعاقبنا حين نسيء؟

ومن نحن حتى نحسن؟ ألسنا جزءا من الله؟ ومن نحن حتى نسيء؟ ألسنا بضعة من واجب الوجود؟ أيحسن الله نفسه ثم يثيب، ويسيء ثم يعاقب؟ تلك مشكلة المشكلات.

مشكلة الثواب والعقاب

إن ابن عربي يحل هذه المشكلة حلا طريفا، وهو ينصح للعوام بأن يكتفوا بالشريعة فيفهموا الثواب والعقاب على نحو ما يفهم جمهور المسلمين؛ ويحتفظ بذلك السمو الروحاني لأقطاب الواصلين، فمن سمت به التجليات إلى مقام الفناء عرف أن لا موجود إلا الله، واستطاع أن يقول: أنا الله.

ولهذا الرأي خطر عظيم من الوجهة الأخلاقية، فالعارف يرى الناس جميعا مضللين، ولكنه يعذرهم وينظر إليهم كما ينظر الرجل إلى صغار الأطفال.

أتريدون الحق؟ إن القول بوحدة الوجود له وجه، فمنذ اكتشف اللاسلكي وأنا أعتقد أن العالم كله مربوط أوثق رباط بوحدة كهربائية لا تقبل الانفصام.

وأكاد أحكم بأن الخطأ والصواب، والهدى والضلال، لا يقع شيء منه إلا طاعة لتلك القوة الكهرابئية، فهي التي تبرم وتنقض، وتأسو وتجرح، لأغراض مستورة قد لا يفهمها الإنسان بإدراكه الضعيف.

ولكن كيف يكون الحال لو وضعت القوانين على هذا الأساس؟

كيف يكون الحال حين يحكم بأن المجرم يجرم وهو غير مسئول؟

أتنفعني هذه الفلسفة التي أدونها في غرفة مغلقة النوافذ؟

ألا يكون من حق كل مجرم أن ينتهب مني ما يشاء، حتى هذا الرغيف الذي أعددته للغداء؟

إن القول بوحدة الوجود ليس إلا شطحة صوفية، وهو خطر كل الخطر في عالم الأخلاق.

فإن رابكم هذا القول فتأملوا أحوال الصوفية، فهم في الأغلب من الذين سقطت عنهم التكاليف، وعاشوا عيش التفكك والانحلال منذ أفلتوا من قيود الشرع الحنيف.

20

كيف جاء القول بوحدة الوجود

لقد أجهدت عقلي في البحث عن السبب الذي دعا إلى القول بوحدة الوجود، وانتهيت إلى أن هذه النظرية لم تنشأ إلا؛ لأن الإنسان بطبيعة تكوينه لا يتصور موجودا بلا حيز ولا جهة ولا مكان، وهو حين يؤمن بوجود الله يسأل من حيث لا يشعر: وأين الله؟ ولا تزال الدنيا تعج بألوف الملايين ممن يتصورون أن الله في السماء فيرفعون إليها أبصارهم عند الدعاء.

والمؤمنون الصالحون يقولون: الله في كل مكان، والقرآن نفسه يقول:

فأينما تولوا فثم وجه الله

ولست بهذا أقضى بأن القرآن يجعل الله في مكان، وإنما أحكم بأن هذه الآية تخاطب الناس بما يفهمون، فتصوروا الله موجودا في كل مكان؛ لأنهم لا يعقلون وجودا بلا حيز ولا مكان.

ولقد قلت: إن اللاسلكي هيأ ذهني للقول بوحدة الوجود، وإنما كان ذلك؛ لأني تبينت أن الحرية الذاتية قد تكون وهما من الأوهام، فأنا حين أتنفس، أو أتحدث، أو أحزن، أو أجذل، أو أسكن، أو أتحرك، أنا في جميع الأحوال موصول السرائر بالعالم كله، ومن آيات ذلك أني أتأثر بما لا أدرك من أحوال الوجود: فأسعد أو أشقى في سريرة نفسي بلا سبب معروف.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٦١