ولقوة الشخصية أثر في الحيوية الأدبية، والأدباء لا يخدمون لغتهم بالبيان وحده، وإنما يخدمونها بالبيان المقتحم الذي يوقظ المشاعر والعقول.
ويمكن أيضا أن نقول : إن كتاب الإحياء يصلح لكل قارئ، أما كتاب الفتوحات فيتسامى على أوساط القراء، فهو لون من الأريستوقراطية العقلية؛ لأنه يعز على من يرومه من سواد الناس، ويطول على من لم تؤهله ثقافته إلى المشاركة في مصاولة العقول.
دفاع العاملي
تلكم جوانب من ابن عربي تمثل شخصيته الأدبية والذوقية، ولكن بقي جانب مهم هو قوله بوحدة الوجود، وهذه المسألة لها أثر في طريقة فهمه لقواعد الأخلاق.
ونبادر فنذكر أن الإشارات إلى وحدة الوجود منبثة في كتاب الفتوحات، ولكن ابن عربي يتكلم في تحفظ واحتراس، وليس من همنا في هذا البحث أن نبين كيف وصلت هذه الفكرة إلى ابن عربي، فقد سبقنا الدكتور أبو العلاء عفيفي إلى ذلك في بحث نشره في مجلة كلية الآداب (مايو سنة 1933)، وإنما يهمنا أن نشرح هذه الفكرة ونبين خطرها في الأخلاق.
والقائلون بهذه الفكرة يختلفون في تصويرها إلى فريقين: فريق يرى الله روحا ويرى العالم جسما لذلك الروح، فالله هو كل شيء، وفريق يرى جميع الموجودات لا حقيقة لوجودها غير وجود الله فكل شيء هو الله.
16
ونظرية وحدة الوجود شغلت جمهورا كبيرا من علماء الإسلام، واصطنعها كثير من أقطاب الصوفية منهم ابن الفارض الذي يقول:
وفي الصحو بعد المحو لم أك غيرها
وذاتي بذاتي إذ تجلت تحلت
وما زلت إياها وإياي لم تزل
ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت
وقد شرح هذه النظرية بهاء الدين العاملي في كتيب أسماه «الوحدة الوجودية»، وهو كتيب يقرأ، وأهم ما فيه هو الدفاع عن ظهور الله بصورة محسوسة، فقد روى الحديث المأثور عن الرسول
صلى الله عليه وسلم : «رأيت ربي على صورة شاب أمرد فوضع كفه بين كتفيذض فوجدت برده بين ثديي»، ثم قال:
فإذا جاز تجليه سبحانه وتعالى في صورة شخصية، فما المانع من أن تكون سائر الصور الأرضية والسماوية صور تجلياته، وشئون ظهور ذاته؟ فإن قلت: إن الصورة المذكورة التي تجلى الله تعالى فيها صورة حسنة فكيف يقاس عليها الصور التي بخلافها في الحسن والنورانية مثل الأشياء النجسة والمتقذرة؟ يقولون في الجواب: إن نجاسة الأشياء وتقذرها ليست وصفا ثابتا لها في أنفسها، فإن كل طبيعة متعينة لها ملاءمة بالنسبة إلى البعض ومنافرة بالنسبة إلى البعض الآخر وذلك من آثار ما به الاشتراك وما به الاختلاف الواقع من التعيين، فأيهما غلب ظهر حكمه من الملاءمة والمنافرة. والنجاسة الواقعة في بعض الأشياء إنما هي بالنسبة إلى ما يقابلها من الطبائع التي وقعت بينها أسباب المخالفة فهي لا تثبت لشيء إلا بالنسبة إلى ما يقابلها لا بالنسبة إلى الإطلاق والمطلق، فهي وما يقابلها مما سمي نظافة على السوية بالنسبة للمطلق.
17
وما حكم به العاملي على الصور المقبولة والمرذولة يحكم به على ساتر الأحكام الكونية كالألم والتلذذ والسعادة والشقاوة والحسن والقبح، فكل هذه لا يلزم منها نقص ولا شين للحقيقة الكلية، إذ ليس الشين والنقص لشيء إلا كون ذلك الشيء في معرض الإمكان والحدوث. «والوجود الحق الواجب في ذاته، الكامل بصفاته، السابق موجوديته على جميع حالاته، ممتنع أن يحوم النقص حول عظمة ذاته، فكل ما ظهر في الكون من الكمال فهو من لوازم ذي الجلال والجمال، وما طرأ من النقص والزوال، فهو من أحكام التعين والتنزل والإنزال».
18
وخلاصة المذهب أن لا موجود إلا الوجود الواحد، ومع ذلك يتعدد بتعدد التعينات تعددا حقيقيا واقعا في نفس الأمر، ولكن ذلك التعدد لا يوجب تعددا في ذات الوجود، كما أن تعدد أفراد الإنسان لا يوجب تعددا في حقيقة الإنسان.
19
أوجه من الحق في وحدة الوجود