تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونظام ومنبر وبيان

من بنات الملوك من دار فرس

من أجل البلاد من أصبهان

هي بنت العراق بنت إمامي

وأنا ضدها سليل يماني

هل رأيتم يا سادتي أو سمعتم

أن ضدين قط يجتمعان

لو ترانا برامة نتعاطى

أكؤسا للهوى بغير بنان

والهوى بيننا يسوق حديثا

طيبا مطربا بغير لسان

لرأيتم ما يذهب العقل فيه

يمن والعراق معتنقان

كذب الشاعر الذي قال قبلي

وبأحجار عقله قد رماني

أيها المنكح الثريا سهيلا

عمرك الله كيف يلتقيان

هي شامية إذا ما استهلت

وسهيل إذا استهل يماني

فهذه قصيدة جيدة والغرام فيها حسي؛ لأن الكلام موجه إلى تلك الفتاة الأصبهانية التي عرفها بمكة، ولكنه في الشرح يحول صبابته إلى معان روحية ولننظر كيف شرح المطلع:

مرضي من مريضة الأجفان

عللاني بذكرها عللاني

فقال:

المرض: الميل، يقول: لما مالت عيون الحضرة المطلوبة للعارفين من جانب الحق سبحانه بالرحمة والتلطف إلينا أمالت قلبي بالتعشق إليها، فإنها لما تنزهت جلالا وعلت قدرا، وسمت جبروتا وكبرا، لم يمكن أن تعرف فتحب، فتنزلت بالألطاف الخفية إلى قلوب العارفين ... إلخ.

ولننظر كيف شرح هذين البيتين:

طال شوقي لطفلة ذات نثر

ونظام ومنبر وبيان

من بنات الملوك من دار فرس

من أجل البلاد من أصبهان

فقال:

وصف هذه المعرفة الذاتية بأنها ذات نثر ونظام، وهما عبارتان عن المقيد والمطلق، فمن حيث الذات وجود مطلق، ومن حيث المالك مقيد بالملك، فإنهم ما أشرنا إليه في هذا فإنه عزيز ما رأينا أحدا نبه عليه قبلنا في كتاب من كتب المعرفة بالله تعالى، وقوله: (منبر) يعني درجات الأسماء الحسنى، والرقي فيها التخلق بها، فهي منبر الكون، والبيان عبارة عن مقام الرسالة، هذه المعارف كلها خلف حجاب النظم بنت شيخنا العذراء البتول شيخة الحرمين، وهي من العالمات المذكورات، وقوله: (من بنات الملوك) لزهادتها: فالزهاد ملوك الأرض. فستر ما يريده من المعارف بذكر دارها وأصلها، يشير من بنات الملوك يعني: أن هذه المعرفة لها وجه بالتقييد، وقوله: (من دار فرس) يقول: وإن كانت عربية من حيث البيان فهي فارسية عجماء من حيث الأصل؛ لأنه لا يمكن في الأصل بيان عزته وتعلق الحكم به ... إلخ.

وهذا الشرح، كما ترون، كله تعمل واعتساف، والاطلاع عليه يقدم إلينا متعة من متع الأنس بالذكاء.

وأشعار ابن عربي كلها رمزيات، كما يريد أن تكون، وهي لا تخلو من طلاوة، وقد يقع فيها أحيانا شيء من طريف الخيال، كأن يقول:

ذبت اشتياقا ووجدا في محبتكم

فآه من طول شوقي آه من كمدي

يدي وضعت على قلبي مخافة أن

ينشق صدري لما خانني جلدي

ما زال يرفعها طورا ويخفضها

حتى وضعت يدي الأخرى تشد يدي

وحدة الوجود

ولا بد من الإشارة إلى أن ابن عربي زاد لغة الصوفية ثروة، فقد تفرد بتعابير واصطلاحات أوجبت أن يفرد لها بحث خاص،

14

ولهذا قيمة من الوجهة الأدبية؛ فالرجل كان يعيش في جو خلقه بنفسه، وكانت له اقتحامات عقلية ولغوية تضيفه إلى المبتكرين في عالم الفكر والبيان.

يضاف إلى هذا ما صنعه في إذاعة الثقافة الصوفية، فقد هضم كل ما قرأ، ووعى كل ما سمع، وراح يهدر كالفحل في لغة قوية عاتية لا يعيبها غير ما كان يقصد إليه أحيانا من الغموض.

ولنسجل أيضا أنه راض اللغة على الجري في شعاب مجهولة، وانطلق يتحدث عن فروض غيبية جلاها قلمه في معارض شائقة فأصبحت وكأنها من الحديث المأنوس.

ولقد عرضت من قبل إلى الموازنة بين كتاب الإحياء وكتاب الفتوحات؛ فلنصف إلى ما سلف أن كتاب الإحياء جلا من التصوف ناحيته الروحية، أما كتاب الفتوحات فقد جلا من التصوف ناحيته العقلية. ويمكن الحكم بأن ابن عربي كان أصلب عودا من الغزالي، فالغزالي ألف كتابه وهو ممعود،

15

أما ابن عربي فألف كتابه وهو في حيوية قوية، حيوية في الجسم وحيوية في العقل، ومن أجل هذا نراه يفترع الأفكار افتراع الفحول، وإن كان لم يفرغ من كتابه هذا إلا قبل موته بثلاث سنين.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٥٩