ليت شعري هل دروا
أي قلب ملكوا
وفؤادي لو درى
أي شعب سلكوا
أتراهم سلموا
أم تراهم هلكوا
حار أرباب الهوى
في الهوى وارتبكوا
10
فلم أشعر إلا بضربة بين كتفي بيد ألين من الخز، فالتفت فإذا بجارية من بنات الروم لم أر أحسن وجها ولا أعذب منطقا، ولا أرق حاشية، ولا ألطف معنى، ولا أدق إشارة، ولا أظرف محاورة منها، قد فاقت أهل زمانها ظرفا وأدبا وجمالا ومعرفة؛ فقالت: يا سيدي، كيف قلت؟ فقلت:
ليت شعري هل دروا
أي قلب ملكوا
فقالت: عجبا منك، وأنت عارف زمانك، تقول مثل هذا!! أليس كل مملوك معروف؟ وهل يصح الملك إلا بعد المعرفة، وتمني الشعور يؤذن بعدمها، والطريق لسان صدق، فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا؟ قل يا سيدي، فماذا قلت بعده؟ فقلت:
وفؤادي لو درى
أي شعب سلكوا
فقالت: يا سيدي، الشعب الذي الشغاف والفؤاد هو المانع له من المعرفة،
11
فكيف يتمنى مثلك ما لا يمكن الوصول إليه إلا بعد المعرفة، والطريق لسان صدق، فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا؟ يا سيدي، فماذا قلت بعد؟ فقلت:
حار أرباب الهوى
في الهوى وارتبكوا
فصاحت وقالت: يا عجبا، كيف يبقى للمشغوف فضلة يحار بها، والهوى شأنه التعميم يخدر الحواسن ويذهب العقول، ويدهش الخواطر، ويذهب بصاحبه في الذاهبين فأين الحيرة وما هنا باق فيحار، والطريق لشان صدق، والتجوز من مثلك غير لائق! فقلت: يا بنت الخالة، ما اسمك؟ فقالت: قرة العين؟ فقلت: لي! ثم سلمت وانصرفت. ثم إني عرفتها بعد ذلك وعاشرتها فرأيت عندها من لطائف المعارف، ما لا يصفه واصف».
12
ذلك طراز من نثره الفني، وهو نثر مقبول، لا تكلف فيه ولا افتعال.
ثروته اللغوية
أما شعره فهو فن قائم بذاته، هو الشعر الصوفي، وقد ترك من الشعر تركة ثقيلة، فله ديوان ضخم. وكتاب الفتوحات ذاته يقوم في الأغلب على شرح مقطوعات شعرية، ويعز علينا أن نصرح بأن هذا الرجل أضاع وقته في صوغ القريض، فديوانه الضخم مجموعة من الأحجار وضعت على غير نظام، وهو في ديوانه هذا رجل مزعج لا تكاد تستروح الإنس به حتى تعود فتنكره؛ لأنك لا تعرف أين يتوجه، ولا تكاد تلمس في أشعار الديوان لفحة من الشوق إلى العالم المجهول.
وإلا فأي روعة في أمثال هذه الأبيات:
إن لي ربا كريما أجده
كالذي نعلم أو نعتقده
هو مني وأنا منه به
ولذا في كل حال أجده
كل من نال الذي قد نلته
من وجود قد تعالى مشهده
إن أستاذي الذي أدبني
هو شخص في وجودي يشهده
هو مني والد معتبر
وأنا منه كهو أو ولده
لا أسميه لأني عالم
أنه يكره ذا بل يعبده
13
هذا شعر ضعيف، وكل ما فيه هو الطواف حول الإشارة إلى وحدة الوجود والأثر الشعري الحق لابن عربي هو قصائد ترجمان الأشواق: ففي هذه القصائد نفحات شعرية، وهو بهذا الديوان يستطيع أن يزاحم الأقطاب من شعراء الصوفية.
وأكبر الظن أن نجاحه في هذا الديوان يرجع الفضل فيه إلى تلك الإنسانة التي أذكت نار جواه، فهي وقدات حسية مشبوبة وجهها عند الشرح إلى معان علوية ليسير في ركاب أصحاب الأذواق.
وانظروا كيف يقول:
مرضي من مريضة الأجفان
عللاني بذكرها عللاني
هفت الورق بالرياض وناحت
شجو هذا الحمام مما شجاني
بأبي طفلة لعوب تهادي
من بنات الخدور بين الغواني
طلعت في العيان شمسا فلما
أفلت أشرقت بأفق جناني
يا طلولا برامة دراسات
كم رأت من كواعب وحسان
بأبي ثم بي غزال ربيب
يرتعي بين أضلعي في أمان
يا خليلي عرجا بعناني
لأرى رسم دارها بعياني
فإذا ما بلغتما الدار حطا
وبها صاحبي فلتبكيان
وقفا بي على الطلول قليلا
نتباكي بل أبك مما دهاني
الهوى راشقي بغير سهام
الهوى قاتلي بغير سنان
عرفاني إذا بكيت لديها
تسعداني على البكاء تسعداني
واذكرا لي حديث هند ولبنى
وسليمى وزينب وعنان
ثم زيدا من حاجر وزرود
خبرا عن مراتع الغزلان
واندباني بشعر قيس وليلي
وبمي والمبتلى غيلان
طال شوقي لطفلة ذات نثر