6
ونحن نلمح في كلام الشعراني شيئا من التكلف، فإنه يبعد جدا أن يكون ابن عربي وقف في تفكيره عند الحدود التي وقف في تفكيره عند الحدود التي وقف عندها أهل السنة والجماعة، وإن كنا لا نستبعد أن تكون كتبه ابتليت بمن أضاف إليها بعض الزيادات.
ولكن من هم الذين زادوا كتب ابن عربي فحملوه ما لم يحمل؟
إن كانت الزيادات وقعت بالفعل فهي لم تقع من أهل السنة، وإنما وقعت من الصوفية، من طائفة منهم عجزوا عن الجهر بآرائهم فأضافوا أعباءها إلى رجل يحمل الجبال!
وتكون النتيجة أن تكون كتب ابن عربي مراجع صوفية وإن اختلفت شخصيات الكاتبين.
مزج الأدب بالتصوف
على أنه لا مندوحة من النص على أن ابن عربي كان يتحفظ فيما يكتب، وكان يطلب السلامة قبل كل شيء، فإن وجد في كتبه شيء يتجاوز مألوف الحدود فهو مدسوس.
ومن شواهد هذا التحفظ ما جاء في الفتوحات حيث يقول:
7
إن أصحابنا اليوم يجدون غاية الألم حيث لا يقدرون أن يرسلوا ما ينبغي أن يرسل عليه سبحانه كما أرسلت الأنبياء عليهم السلام،
8
وإنما منعهم أن يطلقوا عليه سبحانه ما أطلقت الكتب المنزلة والرسل عدم الإنصاف من السامعين من الفقهاء وأولي الأمر لما يسارعون إليه من تكفير من يأتي بمثل ما جاءت به الأنبياء عليهم السلام في جنب الله، ويتركون معنى قوله تعالى:
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، كما قال له ربه عز وجل عند ذكر الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم:
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ، فأغلق الفقهاء هذا الباب من أجل المدعين الكاذبين في دعواهم، ونعم ما فعلوا، وما على الصادقين في هذا من ضرر؛ لأن العبارة والكلام عن مثل هذا هو ما هو ضربة لازب، وفيما ورد عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في ذلك كفاية لهم فيوردونها ويستريحون إليها من تعجب وفرح وضحك وتبشش ونزول ومعية ومحبة وشوق وما أشبه ذلك مما لو انفرد بالعبارة عنه الولي كفر وربما قتل، وأكثر علماء الرسوم عدموا علم ذلك ذوقا وشربا، فأنكروا مثل هذا من العارفين حسدا من عند أنفسهم.
وهذا الكلام قاله ابن عربي بعد أن شرح أطوار التجليات وانتهى إلى الموازنة بين من يقول:
وفي كل شيء له آية
تدل على أنه واحد
وقوله هو:
وفي كل شيء له آية
تدل على أنه عينه «فما في الوجود إلا الله
9
ولا يعرف الله إلا الله، ومن هذه الحقيقة قال من قال: أنا الله».
وقد تأملت طويلا في كتاب الفتوحات فرأيت ابن عربي يدور حول فكرة «وحدة الوجود» دورانا لبقا ولا يكاد يفصح عنها إلا عن طريق الإيماء.
ألفاظ ومصطلحات
ندع هذا مؤقتا، ونأخذ في الكلام عن ابن عربي الأديب، فنقول:
يعد هذا الرجل من طبقة الكتاب العظام، ويمتاز نثره بميزة عجيبة: هي أنه لا يشغلك بالألفاظ، وإنما يشغلك بالمعاني، ففي كل صفحة من كتبه معركة عقلية: فالقوة البيانية عنده قوة فكر لا قوة تهويل؟
ونثره يينقسم إلى قسمين: النثر العلمي، والنثر الفني.
وهو في نثره الفني رجل مرن وانطبع على الكلام المطمع الممتنع، وما ترك من ألوف الصفحات يشهد أنه كان من أملك الناس لناصية البيان، ولا يؤخذ عليه غير التفريط في ربط الجمل بعضها ببعض، وربما كان من أسباب ذلك أنه يحاول ستر أغراضه الحقيقة في كثير من الأحيان، فالكلام يتسق له ما دام في حدود المألوف من آراء الناس، فإذا تفلسف تلوى واعتسف؛ لأنه يحاول اقتحام الوعر من مسالك العقول.
وهو لا يصطنع النثر الفني إلا في المواطن التي يقف موقف الواعظ أو الخطيب، ففي مقدمات كتبه وفي خطبه التي يحدث أنه ألقاها في حضرة الله أو حضرة الرسول نراه يوشي كلامه بأكثر فنون البديع من سجع وتورية وجناس وطباق.
ونثره في شرح ترجمان الأشواق هو من النثر الفني، وإليكم هذا الشاهد الذي يمثل ما يتفق لهذا الرجل أحيانا من خفة الروح: «كنت أطوف ذات ليلة بالبيت فطاب وقتي، وهزني حال كنت أعرفه، فخرجت من البلاط من أجل الناس وطفت على الرمل، فحضرتني أبيات فأنشدتها أسمع بها نفسي ومن يليني، لو كان هناك أحد ، فقلت: