تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل هذا الفصل يذكر رجال الأدب بعظمة ذلك الأديب المجهول، فما تقل كلماته في الأدب مع الله عن كلمات ابن المقفع في الأدب مع السلاطين.

| مكانة ابن عربي في الأدب والتصوف

حياة ابن عربي

لقد عانيت مشقة عظيمة في إعداد هذا الفصل؛ لأن شخصية ابن عربي معقدة أشد التعقيد، ومن العسير بيان الخصائص الأساسية لهذا العقل المحيط في فصل من كتاب، ولكن يعزينا أن منهج البحث لا يفرض الكلام على ابن عربي من جميع نواحيه في إفاضة واستقصاء، وإنما يوجب عرض الجوانب البارزة التي تركت أثرا ظاهرا في الأدب والأخلاق.

كيف أفادته الرحلات

وابن عربي هو محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي، من ولد عبد الله بن حاتم أخي عدي بن حاتم، يكنى أبا بكر، ويلقب بمحيي الدين، ويعرف بالحاتمي وبابن عربي بدون ألف ولام كما اصطلح عليه أهل المشرق، فرقا بينه وبين القاضي أبي بكر بن العربي.

1

وكان ابن عربي من أعظم القائلين بوحدة الوجود.

ولد في مرسية من بلاد الأندلس في أواخر رمضان سنة 560، ثم انتقل من مرسية إلى أشبيلية سنة 568، فأقام بها إلى سنة 598 ثم انتقل إلى المشرق حاجا ولم يعد بعدها إلى الأندلس، وقد دخل مصر وأقام بالحجاز مدة، ودخل بغداد والموصل وبلاد الروم، وتوفي بدمشق ليلة الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة 638.

صبوات ابن عربي

ويظهر من أخباره المبثوثة في تضاعيف مؤلفاته أنه اتصل بما مر به من البلاد اتصالا قويا فكانت حياته سلسلة من التعرف إلى الرجال والآراء، ومن النقد والمصاولة في الميادين الفقهية والصوفية، وكان لذلك أبلغ الأثر في تكوين ذلك العقل الصوال.

وقد كانت الرحلات من التقاليد المصطفاة عند علماء الإسلام، وكان لها فضل عظيم في صقل العقول، وكان ابن عربي من أظهر من استفادوا من نظام الرحلات، ففي كتبه إشارات كثيرة إلى من عرف من الرجال، وفي أبحاثه صدى للمشكلات التي عرضت له وهو يحاور علماء المشرق وعلماء المغرب، وكذلك كان اسمه ملء الأفواه في أواخر القرن السادس وصدر القرن السابع، وكانت أفكاره وآراؤه شغل الناس في تلك الحقبة من الزمان، وليس ذلك بالأثر القليل.

فتنته بنفسه

لا نعرف كثيرا من أخبار ابن عربي في صباه، ولكن يظهر أنه كان مرهف الحس والذوق، وأنه نعم بماض خصب في عالم المحسوس، والنعيم في عالم المحسوس يزيد الأنس بالمعاني في عالم المعقول، فالذين عرفوا «ليلى» في عالم المحسوسات يرون لها وجودا مشرقا في عالم المعقولات، والذين شهدوا «الكأس» في عالم الحس يتمثلون لها صورا فتانة في عالم الوجدان، ومن أجل ذلك نرى أشعار ابن عربي أثارة من رقدة الشوق ولفحة الحنين.

إن التصوف في جوهره نوع من التسامي في الروحانية، والصوفية الأخيار كانوا في الأصل من عشاق الصورة الحسية، ثم ضاقت أمامهم دنيا الحس فتساموا إلى دنيا الروح، وهي دنيا حافلة بمعاني الحب والجمال.

إن الرجل لا يتصوف إلا بعد أن يصبح روحه أقوى وأعنف من أن يقف عند الجمال المحسوس، وهو جمال ينبت من الأرض ويتغذى من الأرض، ويرجع إلى الأرض، هو جمال يفتن به كبار الأطفال، فإذا نضجت أرواحهم استصغروه واستقلوه واحتقروه، ثم مضوا يبحثون عن جمال يوائم ما في أرواحهم من قوة وصفاء.

قوة شخصيته

ولكن من أين عرفنا أن ابن عربي كانت له صبوات في عالم الحس قبل أن تنقل صبواته إلى عالم الروح؟

إن القول بذلك لا يحتاج إلى دليل، فسنرى حين نتكلم عن الحب في باب الأخلاق أن الصوفية جميعا بدءوا معارفهم الوجدانية بالصبوات الحسية، والتصوف ذاته هو انتقال من حال إلى حال، انتقال من عالم الأرض إلى عالم السماء.

على أن الدليل تحت أيدينا، سطره ابن عربي نفسه في مقدمة شرح ترجمان الأشواق، وإلى القارئ قصة تلك النفس:

وفد ابن عربي على الحجاز وهو في الثامنة والثلاثين، وهي سن محفوفة بالأشواك؛ لأنها صلة بين دنيا الشباب ودنيا الكهول، وكان ابن عربي في ذلك الوقت يقاسي مشقة الانتقال من عهد إلى عهد، فاتصل حبله برجل من أهل العلم في مكة، وكان لذلك الرجل بنية خفيفة الظل، عذبة الحديث، فملكت عليه أقطار روحه، وسارت به في شعاب الهوى العذري فلم يرجع إلا وهو أشلاء من الأسى والحنين.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٥٣