تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنا أخشى أن يكون فيما ارتآه الصوفية فرار من الاكتراث بالتبعات، أخشى أن يكون في تنزيههم الله عن الرضا والغضب خروج إلى باحة الانحلال، وأرى أن الذين يقفون عند حدود الشرع أصلح وأسلم، فهم يتمثلون الله يرضى ويغضب، وهم يعملون للنجاة من غضبه والظفر برضاه، وما أراهم من المخطئين.

ولكن من نحن حتى نكيف القوة الإلهية؟ من نحن؟ من نحن؟ ألم أقل لكم إن هذه المسألة ستظل أبد الدهر من المشكلات؟

إن ابن عطاء نفسه لم يسلم من القلق، وما قاله في الاستغاثة والمناجاة يدل على أنه لا يعرف بالضبط كيف يعامل الله، فهو موزع القلب بين الرجاء والخوف ولعل هذه الحيرة هي خير ما نلقى به الله الذي لم يخف منه شيء، ولم يظهر منه شيء.

هل نملك الطاعة والعصيان؟

وابن عطاء الله يصر إصرارا جازما على أن العمل لا ينفع إلا بفضل من الله، ويقول:

إلهي، إن رجائي لا ينقطع عنك، وإن عصيتك، كما أن خوفي لا يزايلني وإن أطعتك.

41

وهذا من المعاني التي كررها المؤلف في صور مختلفة، فهو يدعو هنا بما كان ينصح به هناك.

وابن عطاء الله لم يبتكر هذا المعنى: فهو أصل من أصول التصوف، ومن قبل قال يحيى بن معاذ:

يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال؛ لأني أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص، وكيف أحررها من الرياء وأنا بالآفة معروف؟ وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك، وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف؟

ومن دعاء أبي العباس:

إلهي معصيتك نادتني بالطاعة، وطاعتك نادتني بالمعصية، ففي أيهما أخافك؟ وفي أيهما أرجوك؟ إن قلت: بالمعصية قابلتني بفضلك فلم تدع لي خوفا، وإن قلت: بالطاعة قابلتني بعدلك فلم تدع لي رجاء، فليت شعري كيف أرى إحساني مع إحسانك؟ أم كيف أجهل فضلك مع عصيانك؟

42

وهذا كلام نفيس في معناه.

والصوفية في هذا الموطن يفرقون بين العوام والخواص، فالعوام يخافون عند موجبات الخوف ويرجون عند موجبات الرجاء، أما الخواص فيجمعون بين الخوف والرجاء في جميع الأجوال.

هل نملك الطاعة والعصيان؟

ولا يثق ابن عطاء الله بقدرة المرء على فعل الخير وترك الشر، ويرى العزيمة ضائعة، ولكنه يحاولها امتثالا للأمر، ويقول في ذلك:

إلهي، كيف أعزم، وأنت القاهر؟ وكيف لا أعزم، وأنت الآمر.

43

وهذه أيضا من المشكلات الباقية، فنحن لا نعصي إلا بقضاء، ولا نطيع إلا بقضاء، نحن مسخرون في الخير ومسخرون في الشر، ومن فجورنا وتقوانا يقوم الوجود، أفنستطيع حين نعصي أن نفعل ما لا يشاء الله؟ أفنستطيع حين نطيع أن نحس إلى الله؟ وكيف خلق المعصية وهي نكراء؟ وكيف هيأ لنا أسباب الشر وهو بلاء؟ وكيف خلق فينا ذوق الإثم وهو يبغضه؟ وكيف فاته أن يصوغنا من الخير المحض وهو كل هواه؟

إن الإرادة الإنسانية فكرة وهمية، ومن الغرور أن نحكم بأننا نملك تصريف هذا الوجود، فلم يبق إلا أن نقول مع ابن عطاء الله: وكيف لا نعزم وأنت الآمر.

أمرنا بالعزم على الخير، فلنعزم على الخير، ولنفوض الأمر إليه.

هذا، ولابن عطاء الله كلمات سارت مسير الشمس فكانت شاهدا على قوته الروحية، من ذلك قوله:

إلهي، هذا ذلي ظاهر بين يديك، وهذا حالي لا يخفى عليك.

44

فقد كنت أسمع هذه الكلمة كلما لقيت جماعة من المتعبدين.

ومن ذلك أيضا قوله:

بك أستنصر فانصرني، وعليك أتوكل فلا تكلني، وإياك أسأل فلا تخيبني، وفي فضلك أرغب فلا تحرمني، ولجنابك أنتسب فلا تبعدني ، وببابك أقف فلا تطردني.

45

ولو أضفنا إلى ذلك ما ظفرت به الحكم العطائية من الشروح والتفاسير، وما أوحت إلى الناس من مختلف المعاني، لرأينا كيف كانت قيمتها من الوجهة الأدبية والفلسفية.

ولا يغض من الحكم العطائية أنها ظلت مجهولة في التاريخ الأدبي؛ لأن مؤرخي الأدب غفلوا عن أمثال هذه الفرائد فلم يكن لها من عنايتهم نصيب.

وقد قلنا في غير موطن من هذا الكتاب: إن رجال الأدب شغلوا بأسرى الحواس، ولم يهتموا برجال القلوب.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٥٢