تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولنتركه يصف تلك الفتاة بقلمه الرشيق:

كان لهذا الشيخ (رضي الله عنه) بنت عذراء، طفيلة هيفاء، تقيد النظر، وتزين المحاضر، وتحير المناظر، تسمى بالنظام وتلقب بعين الشمس والبهاء، من العابدات العالمات، السابحات الزاهدات، شيخة الحرمين، وتربية البلد الأمين الأعظم بلا مين، ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أتعبت، وإن أفصحت أوضحت، إن نطقت خرس قس بن ساعدة، وإن كرمت خنس معن بن زائدة، وإن وفت قصر السموأل خطاه، وأغري بظهر الغرور فامتطاه، ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض، السيئة الأغراض؛ لأخذت في شرح ما أودع الله تعالى في خلقها من الحسن، وفي خلقها الذي هو روضة المزن، شمس بين العلماء، بستان بين الأدباء، حقة مختومة واسطة عقد منظومة، يتيمة دهرها، كريمة عصرها، سابغة الكرم، عالية الهمم، سيدة والديها، شريفة ناديها، مسكنها جياد، وبيتها من العين السواد، ومن الصدر الفؤاد، أشرقت بها تهامة، وفتح الروض لمجاورتها أكمامه، فنمت أعراف المعارف بما تحمله من الرقائق واللطائف، علمها عملها، عليها مسحة ملك وهمة ملك، فراعينا في صحبتها كريم ذاتها، مع ما انضاف إلى ذلك من صحبة العمة والوالد، فقلدناها من نظمنا في هذا الكتاب أحسن القلائد، بلسان النسيب الرائق، وعبارات الغزل اللائق، ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفس ويثير الأنس، من كريم ودها، وقديم عهدها، ولطافة معناها، وطهارة مغناها، إذ هي السؤل والمأمول، والعذراء البتول، فأعربت عن نفس تواقة، ونبهت على ما عندنا من العلاقة، اهتماما بالأمر القديم، وإيثارا لمجلسها الكريم، فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أكني، وكل دار أندبها فدارها أعني.

وهذه العبارات صريحة كل الصراحة، وهي تفصح عن تعلقه بتلك الفتاة التي رأى في وجهها وحديثها نعيم السمع والبصر والفؤاد، ولا شك عندنا في نبل ذلك الهوى وطهارته، وبراءته من وضيع الأغراض؛ لأن ابن عربي يتحدث حديث الرجل العفيف، وهو عندنا صادق، ولكن ذلك العفاف هو الدرجة الأولى بين هوى الأرض وهوى السماء، هو بداية العزوف عن المتعة الحسية والإقبال على المتعة الروحية، هو طليعة الإيمان بأن للحب غاية غير نعيم الحواس.

وآية ذلك أن ابن عربي الذي يقول: «فكل اسم أذكره فعنها أكني، وكل دار أندبها فدارها أعني» هو نفسه الذي يستطرد فيقول:

ولم أزد فيما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية والتنزلات الروحانية والمناسبات العلوية؛ جريا على طريقتنا المثلى، فإن الآخرة خير لنا من الأولى، لعلمها (رضي الله عنها) بما إليه أشير، ولا ينبئك مثل خبير، والله يعصم قارئ هذا الديوان من سبق خاطره إلى ما لا يليق بالنفوس الأبية، والهمم العلية المتعلقة بالأمور السماوية، آمين. بعزة من لا رب غيره، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

الموازنة بينه وبين الغزالي

ولا يمكن أن تكون تلك العلاقة أول وآخر ما عرف من العلاقات، فنشأته الأولى في المغرب يوم كان متصلا بأحد الملوك لها دخل في رياضته على دنيا الحسن.

2

والتنقل من أرض إلى أرض يمنح العيون فرصة التنقل من فتنة إلى فتنة، وهوى الرجل المحترس المتحفظ هو من أخطر الأهواء، وكان ابن عربي بطبيعة ما ترامت إليه همته في الفقه والتصوف رجلا يحب أن يتوقر ويتزمت، ويلقى طلائع الحسن بقلب بليد، ولكن التحرز لم يغن شيئا، فانحلت عزيمته، حين عرف تلك الفتاة التي حكم بأن بيتها من العين السواد، ومن الصدر الفؤاد، واضطر إلى أن يسأل الله العصمة لمن يقرأ قصائد ترجمان الأشواق، العصمة من سبق الخاطر إلى ما لا يليق بالنفوس الأبية، والهمم العلية، المتعلقة بالأمور السماوية.

والتجارب علمتنا أن الأرض ليست بعيدة من السماء كل البعد، فالأرض والسماء في عالم الأخلاق مقتربتان أشد الاقتراب، وقد تكون الظواهر مما يجزم بقوة الصلة الأرضية، على حين تكون البواطن موصولة الأواصر بأقطار السماء.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٥٤