36
ومعنى هذا أن الذنوب لا تمنع المؤمن من الطمع في كرم الله، وهذه الفكرة هي أساس التصوف. وتفني محاسنه أمام عينيه فيقول:
من كانت محاسنه مساوي، فكيف لا تكون مساويه مساوي، ومن كانت حقائقه دعاوي، فكيف لا تكون دعاويه دعاوى.
37
ومعنى ذلك أن أعمالنا كلها هباء، والاعتداد بصالح الأعمال غرور ينكره الصوفية.
وينكر أن تكون الكائنات هي الشاهد على وجود الله فيقول:
إلهي، كيف يستدل عليك، بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت حتى نحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك.
36
وهو بهذا ينظر نظر المجذوبين لا نظر السالكين، فالسالك يستدل بالموجودات على الله، والمجذوب يستدل بالله على الموجودات؛ لأنه أصل كل شيء، وقد عبر عن هذا المعنى مرات مختلفة، فهو من آرائه الأساسية.
وهو مع هذا لا ينكر أن تكون الآثار شواهد على الله، ويقول:
إلهي، أمرت بالرجوع إلى الآثار، فأرجعني إليها بكسوة الأنوار، وهداية الاستبصار، حتى أرجع إليك منها كما دخلت إليك منها مصون السر عن النظر إليها، ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها. إنك على كل شيء قدير.
38
وهذه غاية في التعلق بالله، والتعامي عما سواه.
وهو يتلهف على الوصول إلى الله فيقول:
إلهي، منك أطلب الوصول إليك، وبك أستدل عليك، فاهدني بنورك إليك، وأقمني بصدق العبودية بين يديك.
39
بين الخوف والرجاء
ويمعن في التفلسف في محاورة الله فيقول:
إلهي، تقدس رضاك عن أن تكون له علة منك، فكيف تكون له علة مني، أنت الغني بذاتك عن أن يصل إليك النفع منك، فكيف لا تكون غنيا عني.
40
وهذه النقطة في غاية من الدقة، فالمؤلف يرى رضا الله منزها عن أن تكون له علة من الله نفسه، فكيف تكون له علة من الناس، ويرى الله على عظمته غنيا بذاته عن أن ينفع نفسه فكيف لا يكون غنيا عن نفع الناس وهم حقراء.
ومعنى هذا الكلام أن معصيتنا لا تعود على الله بضر، وأن طاعتنا لا تعود عليه بنفع، فرضاه عنا ليس متعة له وغضبه علينا ليس دليلا على أساه.
فما هي صلتنا في طاعتنا ومعاصينا بذلك العلي العظيم؟ أنغضبه حين نعصي ونسره حين نطيع؟ وإذا أغضبناه أيكون معنى ذلك أننا أسأنا إليه؟ وإذا أرضيناه أيكون معنى ذلك أننا أحسنا إليه؟
إن الله منزه عن الآثار الحسية لمعاني الحب والبغض، ولو لم يكن منزها عن ذلك لكان في مقدور المخلوق الضعيف أن يؤثر في الذات الإلهية بالرضا والاكتئاب، وهو محال.
فلم يبق إلا أن تكون صور غضبه ورضاه موصولة بصوالحنا الذاتية، لم يبق إلا أن يكون الغضب والرضا صورة لما نفهم نحن لا ما يفهم الله، لم يبق إلا أن نكون خلعنا على الله خلعة إنسانية فجعلناه يرضى ويغضب، كما نرضى نحن ونغضب، وتمثلناه يألم ويجذل، كما نألم ونجذل، وهو سبحانه منزه عن كل ما يلابس الناس.
وإذا كان ابن عطاء الله ينزه الله عن الرضا فكيف يترضاه؟ وإذا كان ينزهه عن الغضب فكيف يتسغفره؟ وإذا كان يراه أعلا من أن ينظر إلى الحسنات فكيف يتقرب إليه، وإذا كان يراه أمنع من أن تهمه السيئات فكيف يتوجع لما اقترف من الذنوب؟
هذه مشكلة لم يحلها الصوفية، وستظل أبد الدهر من المشكلات.
ولكن ما الذي يمنع من أن نقرر أن فهمنا للذات الإلهية فهم ناقص أبشع النقص؟ ما الذي يمنع من أن نقرر أنه لا يبعد أن تكون الذات الإلهية تنظر إلى الأشياء على نحو ما ننظر، وتعقل على نحو ما نعقل، مع حفظ الفارق بين قوة الخالق وضعف المخلوق؟
وهل يقدح في عظمة الله أن يطرب للحسن وينفر من القبح؟ هل يقدح في عزة الله أن يرضى حين نحسن ويغضب حين نسيء؟ إن من شمائلنا المرضية أن نطرب للمحاسن ونجزع من العيوب، فكيف ننزه الله عما ارتضينا لأنفسنا من الشمائل والخصال؟