تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الاستغاثات العطائية

ولابن عطاء الله كلمات كثيرة تدل على بصره بسرائر النفوس، من ذلك قوله:

حظ النفس في المعصية ظاهر جلي، وحظها في الطاعات باطن خفي، ومداواة ما يخفى صعب علاجه.

28

وهذا كلام دقيق جدا، يفسره قوله في كلمة ثانية:

ربما دخل الرياء عليك، من حيث لا ينظر الخلق إليك ...

ولهذه الدقائق نظائر كثيرة في كلامه فلا ندل عليها جمعاء، وإنما يكفي أن نشير إلى أن الرجل تعمق في تفكيره كل التعمق، وعرض أفكاره في أشرف بيان.

ونكرر ما قلناه من قبل، وهو أن حكم ابن عطاء الله خالية من الوحدة الفنية؛ لأنها في الأصل خطرات عرضت من وقت إلى وقت، ثم أضيف بعضها إلى بعض من غير ترتيب.

صلتنا بالله

ننتقل بعد ما سلف إلى بحث من الأدب الصرف، هو ما ختم به كتابه من الاستغاثات، وكان يمكن نقل هذا البحث إلى ما كتبناه عن الأدعية والأوراد، ولكنا رأينا أن تكون آثار ابن عطاء الله في مكان واحد، وهذا الكتاب تمت أصوله إلى وشيجة واحدة وإن تعددت الفروع.

29

ونبادر فنذكر أن ابن عطاء الله يتأثر في استغاثاته خطوات أبي الحسن الشاذلي في «حزب البر» أي: أنه يحلل المعاني ويعللها ويشرح وينقد ويستنبط، فأنت أمام رجل بليغ لا يكتفي بزخرف اللفظ، وإنما يفتن افتنانا شائقا في زخرف المعاني، على طريقة الفحول الذين يلقونك في الأودية العقلية، فيجعلون منها مفاتن تفوق الزخارف اللفظية، وذلك كله يجري بأسلوب سمح لا تكلف فيه ولا افتعال.

ولننظر كيف يبدأ استغاثاته فيقول:

إلهي أنا الفقير في غناي، فكيف لا أكون فقيرا في فقري.

30

إلهي أنا الجاهل في علمي، فكيف لا أكون جهولا في جهلي.

31

وهذا المعنى اللطيف كرره ابن عطاء الله في عبارة ثالثة فقال: «إلهي وصفت نفسك باللطف والرأفة بي قبل وجود ضعفي، أفتمنعني منهما بعد وجود ضعفي».

32

والفقرة الثالثة فيها تعمل، ولكن المعنى يشرق منها كل الإشراق، والمؤلف يكاد يعديك فينقل إلى قلبك روعة التقوى ورقة الخشوع، وهذا المعنى فيه كل دقائق التصوف والروحانية، فالمرء في قوته وعلمه وغناه مفتقر في كل لحظة إلى رعاية الله، فكيف يكون وهو معدم جاهل ضعيف؟ إن المرء لا يملك لنفسه الستر لحظة واحدة، ولا يملك لنفسه السلامة لحظة واحدة، ولا يملك لنفسه الغنى لحظة واحدة، ففي الغيب مستورات من الصروف لا يقيك منها غير الحفيظ المغيث، وقد تبسم لك الدنيا فتزهو وتختال، وأنت لا تعرف أن كلمة تخرج من فيك، أو إشارة تصدر منك، أو عرقا يختلج في جسمك، لا تعرف أن بعض هؤلاء قد ينقلك من نضرة النعيم إلى جحيم الشقاء.

وبدا له أن يوازن بين ما يكون منه وما يكون من الله فقال:

إلهي، مني ما يليق بلؤمي، ومنك ما يليق بكرمك.

33

ثم جعل محاسنه لا تظهر إلا بفضل الله، ومساويه لا تظهر إلا بعدل الله، فقال:

إلهي، إن ظهرت المحاسن مني فبفضلك ولك المنة علي، وإن ظهرت المساوي فبعدلك ولك الحجة علي.

34

وعلل التوسل بالفقر فقال:

ها أنا أتوسل إليك بفقري إليك، وكيف أتوسل إليك بما هو محال أن يصل إليك؟ أم كيف أشكو إليك حالي وهي لا تخفى عليك؟ أم كيف أترجم لك بمقالي وهو منك برز إليك؟ أم كيف تخيب آمالي وهي قد وفدت إليك؟ أم كيف لا تحسن أحوالي وبك قامت وإليك؟

35

وهذه الفقرة في غاية من النفاسة؛ لأن الكاتب يشرح الفكرة الصوفية التي تقول: بأن الخير المطلق هو في نسيان الذات والأحوال، فهو يتوسل أولا بالفقر، ثم يبدو له أن الاعتداد بالفقر ذنب، ويرى من العبث أن يشكو إلى الله حالا لا تخفى عليه، أو يترجم له بمقال هو منه برز إليه، ويعجب كيف تخيب الآمال وقد وفدت إلى الله، وكيف لا تحسن الأحوال وبه قامت وإليه توجهت. وهذا وذاك من التلطف في مناجاة علام الغيوب.

ويفتح أمام قلبه باب الرجاء فيقول:

إلهي، كلما أخرسني لؤمي أنطقني كرمك، وكلما آيستني أوصافي أطمعتني منتك.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٥٠