تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنما يستوحش العباد والزهاد من كل شيء، لغيبتهم عن الله في كل شيء ولو شهدوه في كل شيء، لم يستوحشوا من شيء.

21

وقوله:

علم منك أنك لا تصبر عنه، فأشهدك ما برز منه.

21

وهذه الكلمة الثانية صريحة في قوله بالحلول؛ لأنها تفصح إفصاحا بأن العالم هو الجزء البارز من الله، وأن على المؤمن أن يراه في كل موجود.

ولكن ابن عطاء الله لا يرى هذا الرأي في جميع الأحوال: فأدبه قائم على أن الإنسان منفصل عن الله وأن عليه أن يتأدب، وأن يتقرب إلى ربه المتفرد بالعزة والجلال، وأن يطلب رضاه بالفناء في حبه، وأن يوقن بأن هناك دارين، وقد أمره في هذه الدار بالنظر إلى مكوناته، وسيكشف له في تلك الدار عن كمال ذاته،

22

ويذكر المريد بحاجته إلى حلم الله في جميع الأحوال فيقول:

أنت إلى حلمه إذا أطعته، أحوج منك إلى حلمه إذا عصيته.

23

ويجعل الله صاحب الفضل المطلق فيقول:

لو أنك لا تصل إليه إلا بعد فناء مساويك، ومحو دعاويك، لم تصل إليه أبدا ، ولكن إذا أراد أن يوصلك إليه غطى وصفك بوصفه، ونعتك بنعته، فوصلك إليه بما منه إليك، لا بما منك إليه.

24

والحق أن في كلام ابن عطاء الله تعابير كثيرة تؤذن بالحلول، ولكنه يثب فجأة فيشهد لله بالوحدانية المنفصلة عن سائر الأكوان، كأن يقول:

الأكوان ثابتة بإثباته، وممحوة بأحدية ذاته.

على أن هذه الكلمة نفسها تدل على أنه يدفع تهمة الحلول، كأنه يظن أن الشبهة قائمة، شبهة اتصال الموجد بالموجود، وامتزاج الخالق بالمخلوق، وهي شبهة تقوى في بعض الأنفس، في بعض الأحوال، تقوى حين تصفو النفس، وحين تشهد من الجمال والجلال ما يعسر إضافته إلى الموجودات الفانية، وإلا فمن ذا الذي يصدق أن البحر في ظلمات الليل خال من معاني الألوهية؟ ومن ذا الذي يصدق أن هذا الوجود المربوط برباط الكهرباء خال في تماسكه من النفحات الربانية؟

القبض والبسط

إن مذهب الحلول لا ينهدم أمام العقل إلا حين نفكر في أصاغر الموجودات وصغائر الناس، ولكن من يدري؟ فقد يثبت يوما أننا مخطئون في تقدير حقائق الأشياء، وتقويم طباع الناس، قد يثبت يوما أن العمل الحقير لا يقل نفعا في تماسك الوجود عن العمل الجليل، أم يثبت أن العالم يشكو النقص في سم بعض الحيات؟ ألم يتمن الأطباء لو أمكن الإكثار من «الكوبرا»؛ لينفع سمها في شفاء السرطان؟ ألم تصل إلى أذنك كلمة من عدو حقود فتكون على قذارتها بعثا لهمتك الغافية، وتنقلك من حال إلى حال؟

نحن لا ننكر مذهب الحلول إلا؛ لأننا خلقنا قواعد مستبدة لأصول الشرف والانحطاط، ولو سمحنا لأنفسنا بقليل من التبذل لكشفنا هذه المسألة كل الكشف، وما لنا نتهيب؟ أليس البراز مثلا للقذارة الحسية، ومع ذلك فانظروا خطره إذا بقي في الأمعاء وفيه ملايين الجراثيم؟

إن في الوجود أشياء كثيرة معروفة القبح، ولكنها مجهولة النفع، وما أقمناه من قواعد الذوق هو سر ما نقع فيه أحيانا من الجهل، ولو عقلنا لعرفنا أن ليس في الكائنات فاضل ومفضول، وإنما هي قوى تتساند وتتعاون في حفظ هيكل الوجود، وما تستصغر شأنه من الفضلات قد يكون فيه من القوى الخفية ما يبهر اللب لو كشف عنه الحجاب.

25

دقائق الرياء

ولابن عطاء الله كلام ممتع في القبض والبسط، وهما من أحوال النفس، وهو لا يسره أن يكون البسط من آثار النعمة، وأن يكون القبض من آثار الحرمان، ويقول:

متى كنت إذا أعطيت بسطك العطاء، وإذا منعت قبضك المنع، فاستدل بذلك على ثبوت طفوليتك، وعدم صدقك في عبوديتك.

26

وهو يرى أن القبض قد يكون أنفع للنفس من البسط، ويقول:

ربما أفادك في ليل القبض، ما لم تستفده في إشراف نهار البسط، لا تدرون أيهم أقرب إليكم نفعا.

27

وإنما أثروا القبض على البسط لما في القبض من انعدام حظوظ النفس؛ ولأن القبض قد يفتح أمام النفس آفاقا من التأمل لا يفتحها البسط، والنهار ليس في كل حال أنفع من الليل.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٤٩