الشهرة والخمول
قلنا: إن ابن عطاء الله لا يدعو إلى قطع الأسباب ولا يرى بأسا في اشتغال المريد بالعلوم الظاهرة والسعي فيما يسعى إليه الناس من نعيم المعاش، فلنذكر لتقييد ذلك أنه يكره للمريد أن يسعى إلى الشهرة وبعد الصيت، وله في هذا كلمة هي من الذخائر في الأخيلة الأدبية، قال:
ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما يدفن لا يتم نتاجه.
وهي كلمة رائعة لم أشهد لها مثيلا فيما قرأت، وفيها حيوية قوية، كأن الكاتب ألقاها في لحظة من اللحظات التي تتجمع فيها قوى النفس، ثم تقذف بالمعنى فيخلد لقوته على وجه الزمان.
والصوفية مجمعون على بغض الشهرة وحب الخمول، ولهم في ذلك كلمات جرت مجرى الأمثال، كقول بعضهم: «طريقتنا هذه لا تصلح إلا لأقوام كنست بأرواحهم المزابل»، وقول ابن أدهم: «ما صدق الله من أحب الشهرة»، وقول آخر: «ما أعرف رجلا أحب أن يعرف إلا ذهب دينه وافتضح»، وقول آخر: «كلما دفنت نفسك أرضا سما قلبك سماء سماء».
18
ومن أغرب ما قرأت في هذا المعنى قول الفضيل:
بلغني أن الله عز وجل يقول في بعض ما يمن به على عبده: ألم أنعم عليك؟ ألم أسترك؟ ألم أخمل ذكرك!
19
والذين ابتلاهم الله بالشهرة يعرفون صدق هذه الكلمات، فالشهرة محنة قاسية لا يبتلى بها الرجل إلا ذهب عمره في مدافعة القيل والقال، وطال بلاؤه بالتجمل والتزين للناس. والعمر قصير، ولكن الرجل المشهور ينفق عمره على قصره في تفاهات وصغائر يوجبها الاحتفاظ باسمه سليما من أقذار الأقاويل، وهيهات أن يسلم، فالشهرة محنة حتى في الخير المحض، فلو اشتهرت بالإحسان إلى المساكين لجرك ذلك إلى الخراب، وألقى على عملك أكداسا من تراب الرياء. وبعض المشهورين يلذ لهم أن يتسمعوا ما يقال فيهم، فيصطدمون بأكاذيب وأراجيف يشيب لها الوليد، ثم ينتهون إلى اليأس من أدب الناس، وإذ ذاك ينقلبون إلى نار عاتية تمحق كل ما تصادف من أصول الأخلاق.
ومع أني قليل التجاريب في هذه الدنيا ولم يطر اسمي في مشرق ولا مغرب فإن الشهرة الضئيلة التي قضت بأن يردد اسمي في بعض المجتمعات عطلت علي أنفس أوقاتي، وكدرت صفائي، ولونت أدبي بألوان أبغضها أقبح البغض، وصيرتني أسيرا لصنوف من التقاليد السخيفة، تقاليد المجتمع السخيف. وحاولت أن أتحلل وأتخلص فلم أفلح؛ لأن الشهرة كالميسم المتقد لا تمحو أثره الأيام.
وما فكرت في المشهورين من الرجال إلا طال لهم رثائي، فعلى هؤلاء واجبات خلقتها الشهرة، ولم يفرضها الحق، عليهم أن يغيثوا كل ملهوف، وأن يواسوا كل محزون، وأن يزوروا ويزاروا في كل حين. وعلى أقدامهم أن تمشي إلى كل مأتم، وعلى ألسنتهم أن تتكلم في كل مجمع، وعلى آرائهم أن تظهر في كل ميدان، وتكون النتيجة أن يصبحوا كالآلات تصنع ما لا تريد.
وإنما ضربنا الأمثال لنبين أن أدب ابن عطاء الله في بغض الشهرة من الآداب العملية، فهو ليس أدب الرجل العاطل، وإنما هو أدب الرجل الذي يهمه أن يكون من النافعين.
وأكاد أجزم بأن عمارة الدنيا عبء لا ينهض به إلا الخاملون؛ لأن الخمول يصرف عن النفس شواغل كثيرة فتفرغ للنهوض بجلائل الأعمال.
والناس تعودوا أن يحملوا المشهورين ما لا يستطيعون أن يحملوا، ويكلفوهم ما لا يطيقون، فتثور بذلك أحقاد وضغائن يأباها العقل، ويأباها المنطق، وتحول الدنيا إلى جحيم يصلاه أهل الشهرة، من حيث يحتسبون أو لا يحتسبون.
تأمل في بلايا أهل الشهرة أيها القارئ، ثم انظر مرة ثانية في هذه النصيحة الغالية:
ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه.
20
مذهب الحلول
ولابن عطاء الله كلمات تذكر بمذهب الحلول، وهو أن يكون الله كل شيء في كل شيء، فلا تكون ذرة، ولا قطرة، ولا نبتة، ولا نسمة، إلا وهي جزء من الذات الإلهية. من ذلك قوله: