11
وهو أيضا المراد بقوله في كلمة رابعة:
أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك.
12
فهذه الفقرات كلها تنتهي إلى غرض واحد: هو أن يقف المريد حيث أقامه الله فلا يضجر من النقص ولا يطمع في المزيد.
التجريد والأسباب
ومحصول هذه الحكم الأربع يكشف عن جانب من آراء ابن عطاء الله، فهو يدعو إلى احترام الواقع، ولا يرى عملا أفضل من عمل، ما دامت الأعمال كلها بإرادة الله. حدث عن نفسه قال:
دخلت على الشيخ (رضي الله عنه) وفي نفسي العزم على التجريد، قائلا في نفسي: إن الوصول إلى الله تعالى على هذه الحالة بعيد مع الاشتغال بالعلوم الظاهرة ووجود المخالطة للناس، فقال لي من غير أن أسأله: صحبني إنسان مشتغل بالعلوم الظاهرة ومتصدر فيها فذاق من هذه الطريق شيئا فجاء إلي فقال: يا سيدي، أخرج عما أنا فيه وأتجرد لصحبتك، فقلت له: ما الشأن ذا، ولكن امكث فيما أنت فيه، وما قسم الله لك على أيدينا فهو إليك واصل. ثم قال الشيخ - ونظر إلي - وهكذا شأن الصديقين لا يخرجون من شيء حتى يكون الحق سبحانه وتعالى هو الذي يتولى إخراجهم. فخرجت من عنده وقد غسل الله تلك الخواطر من قلبي، ووجدت الراحة بالتسلم إلى الله تعالى.
13
وهذه النظرة إلى الأعمال الدنيوية أدق وأصح من نظرة الغزالي الذي يدعو في مواطن كثيرة إلى ترك العلوم الظاهرة، وينصح بالتجريد المطلق، ويقبح ما يتصل بالجاه من أعمال الناس.
وعلى ذلك يكون الاهتمام بالعمران وبالمعاش وبالمجتمع مما لا ينافي أدب المريد في نظر ابن عطاء الله، وإنما يشترط لذلك أن يعرف المريد أنه يقف حيث أقامه الله، وأن لا غرض له من التشبث بأعمال المعاش.
حقوق الصديق
ولكن الرضا عن الحال غير الرضا عن النفس، فلك أن ترضى عن حالك التي أقامك الله عليها في مرافق الحياة، أما نفسك فالرضا عنها أصل كل معصية وغفلة وشهوة،
14
ورفيقك الذي تصحبه يجب أن يكون من الذين لا يرضون عن أنفسهم «ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالما يرضى عن نفسه، فأي علم لعالم يرضى عن نفسه، وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه».
15
وابن عطاء الله يكثر من الكلام عن الصحبة، ولكن «لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله»،
16
والصحبة أصل كبير من أصول القوم، وفيها منافع وفوائد؛ ولذلك استمر عليها شأنهم قديما وحديثا
17
وللصحبة آداب ذكرناها في قسم الأخلاق، ولكن لا بأس من التذكير بأنهم يرون الصديق الحق من لا يزيدك عنده البر ولا ينقصك عنده الجهل؛ ولذلك قيل: كن مع أبناء الدنيا بالأدب، ومع أبناء الآخرة بالعلم، ومع العارفين كيف شئت. وقيل لبعض الصالحين: إن فلانا يحبك ويكثر ذكرك ، فقال: إنه لحبيب إلي، وأجله وأعرف قدره، ولكن يهون علي أن ألقى الشيطان ألف مرة، ولا ألقاه مرة واحدة، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: أخشى أن أتزين له ويتزين لي. قال المكي: وكانت هذه الطائفة من الصوفية لا يصطحبون إلا على استواء أربعة معان لا يترجح بعضها على بعض، ولا يكون فيها اعتراض من بعض على بعض إن أكل صاحبه الدهر كله لم يقل له: صم، وإن صام الدهر كله لم يقل له صاحبه: أفطر، وإن نام الليل كله لم يقل له صاحبه: قم فصل، وإن صلى الليل كله لم يقل له صاحبه: قم بعضه، وتستوي أحواله عنده فلا مزيد لأجل صيامه وقيامه، ولا نقصان لأجل إفطاره نومه.
17
وسر هذا الأدب هو الفرار من هوى النفس، فأنت لا تلوم الصديق في سرك أو جهرك إلا وأنت تعتقد أنك أفضل منه، وهذا خطر يؤذن بكدورة النفوس.
فالقوم يوجبون تخير الصديق، ولكن ذلك في البداية، أما إذا انعقدت الصداقة فالبر كل البر أن تعمى عينك عن عيوب صديقك، وأن لا ترى نفسك أفضل منه وإن تخلف عنك. والأساس أن تكون مع الله بقلبك: فلا تشغل بغير عيوبك، ولا ترى الحياة إلا في شهوده ورضاه.