إن الغرور يوهمنا أشياء كثيرة، واللغات بين الناس من أهم أسباب الأوهام فقد ظنناها حددت المعاني كل التحديد، ولو أن ذلك كان صحيحا لارتفعت أسباب الخلاف.
ولكن هل كانت العقبة الوحيدة هي الاختلاف في فهم النصوص؟
لا، لا، فقد يتلاقى الرجلان عند صورة واحدة من المعنى، ثم يختلفان اختلافا شديدا في تصور المعنى الواحد؛ لأنهما يختلفان في صحة الجسم وعافية الروح.
فإذا قلت: إنك تترجم القرآن ترجمة صحيحة فأنت صادق، وإذا قلت إنك لا تترجم إلا ما فهمت فأنت صادق؛ أنت صادق في الأولى لأن القرآن في الأصل جاء لهدايتك فلم يكن له أن يحتجب وينتقب.
وأنت صادق في الثانية؛ لأن القرآن رمز لمعان يختلف في فهمها الناس بفضل ما يختلفون في دقة الفهم وقوة الإدراك.
وكذلك صح للشراح أن يجزموا بأنهم لم يصلوا في فهم الحكم العطائية إلى الأعماق.
أسلوب ابن عطاء الله
والحكم العطائية عبارة عن طائفة من الفقرات القصيرة المختلفة الأغراض وهو يخاطب المريد بصيغة المفرد، ويسجع في بعض الأحيان، وطريقته في البلاغة تختلف، فحينا يجرد المعاني تجريدا تاما من الصور والأخيلة، كأن يقول: «من علامة الاعتماد على العمل، نقصان الرجاء عند وجود الزلل».
2
وكأن يقول: «تنوعت أجناس الأعمال، لتنوع واردات الأحوال».
3
وحينا يوشي معانيه بالخيال توشية طريفة، كأن يقول: «ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه».
وكأن يقول: «لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحا
4
يسير والمكان الذي ارتحل إليه هو المكان الذي ارتحل منه، ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون».
5
وتارة يقف عند المعنى فيديره في صورة واحدة لا تختلف إلا فيما تربط به القافية، كأن يقول: «كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي أظهر كل شيء». «كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي ظهر بكل شيء». «كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي ظهر في كل شيء». «كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الظاهر قبل وجود كل شيء». «كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو أظهر من كل شيء». «كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الواحد الذي ليس معه شيء». «كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو أقرب إليك من كل شيء». «كيف يتصور أن يحجبه شيء، ولولاه ما كان وجود شيء».
6
وتارة يغرب في إيراد المعاني إغرابا مقصودا كأنما يريد أن يقصر خطابه على الخواص، ولذلك شواهد كثيرة جدا، نكتفي منها بهذه الفقرة:
شتان بين من يستدل به أو يستدل عليه، المستدل به عرف الحق لأهله فأثبت الأمر من وجود أصله، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه، ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه.
7
فإن هذه الفقرة لا تفهم إلا بعد أن نعرف أنه يقسم أهل الله إلى قسمين: مرادين ومريدين: فالمرادون يستدلون بالله على الأشياء والناس: لأنه الأصل، والمريدون يستدلون بالأشياء والناس على الله، وذلك لوجود الحجاب. ولو أنهم وصلوا إلى لباب الحقائق لعرفوا أن الله لم يغب حتى يستدل عليه، ولم يبعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه.
8
كيف نستدل على الله
وليس بين الحكم العطائية رباط وثيق، فهي مجموعة من الأقوال نظمت في أوقات مختلفة ثم ضم بعضها إلى بعض بلا ترتيب مقصود، وقد يتفق للكاتب أن يفتن ببعض المعاني فيكررها في صور مختلفات مرتين أو مرات، وإليكم هذه الفقرة:
إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية.
9
فإن هذا المعنى هو عينه الذي عبر عنه بقوله في فقرة ثانية:
ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه.
10
وهو نفسه الذي عبر عنه بقوله في فقرة ثالثة:
لا تطلب منه أن يخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها، فلو أرادك لاستعملك من غير إخراج.