وهذه الأرجوزة التي يقال: إن له فيها أربعة آلاف مثل
29
لا يمكن أن تصدر إلا عن رجل مشغول بالأخلاق، وابتداع الحكم والأمثال لا بد له من صفاء، والصفاء ليس من حظ النفوس المقتولة بالشواغل الدنيوية، فلا مفر من الاعتراف بأن أبا العتاهية استطاع أن يخلص من دنياه بعض الخلاص، ليفرغ لنظم أشباه هذه الأمثال.
أرجوزته المزدوجة
وما أدري كيف يغلبني الميل إلى عرض أكثر الجوانب من شخصية أبي العتاهية، مع رغبتي في إيجاز هذا الفصل، ولعل السر في ذلك خوفي من مشاركة من عاصروه في الغض من قيمته الأخلاقية، فقد كانت لهم من دنيا ذلك الشاعر شبهات تبرر التجني عليه، أما نحن فلم يبق أمامنا إلا هذه الثروة الأدبية، وهي الأصل الأول في تقدير قيمته الذاتية، أما لغو المعاصرين فليس بحجة؛ لأن الحسد يحمل الناس على ارتكاب جريمة الإفك والبهتان.
والواقع أن المرء يحسد على السمعة الطيبة أكثر مما يحسد على الثراء العريض، ولا سيما في عالم المنازعات الأدبية، وأكثر الرواة والشعراء لعهد أبي العتاهية كانت سمعتهم مما تلغط به الجماهير، وكانت لهم أندية يكثر فيها اللغو، وتقع فيها الآثام حول موائد الشراب، وكان من العزيز عليهم أن يطير عنهم أبو العتاهية فيحلق في سماء الفضيلة، ويثير شعره دموع بعض الخلفاء.
قيمته الذاتية
هذا، ولا بد من الإشارة إلى أن شعور أبي العتاهية بتفاهة الدنيا تمثل له عند الموت، في صورة جديدة، فقد أعلن يأسه من وفاء الأصدقاء، وزهده في بكاء الباكيات، حين اشتهى أن يغنيه مخارق:
سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي
ويحدث بعدي للخليل خليل
إذا ما انقضت عني من الدهر مدتي
فإن غناء الباكيات قليل
30
وقد نظم أبياتا لتوضع على قبره، وكذلك فعل أبو نواس، والكتابة على القبور سنة قديمة عرفها المصريون والآشوريون، ولكنها كانت في الأغلب وصايا يراد بها زجر من يطمعون في انتهاب ما في القبور من الذهب والثياب، أما أبو العتاهية وأبو نواس فكان شعرهما في التحذير من عواقب العيش، والمشرف على الموت يحب أن يكون أفصح الناس في وصف الدنيا بالغدر وسرعة الزوال، ومن يعش حتى يمد يده لمصافحة الموت يعرف صحة هذا الفرض!
الأشعار القبرية
وهناك شاعر أثرت عنه مقطوعات في الزهد، وهو رجل صوفي النزعة، ولم يقع له في شبابه من النزق والطيش أشباه لما وقع لأبي العتاهية وأبي نواس، وإن كان عرف طوائف من الصبوات، ذلك الشاعر هو الشريف الرضي، الذي حن إلى ملاعب الظباء بالحجاز حنينا هو غاية الغايات في قوة الروح.
نموذج من شعر الشريف الرضى في الزهد
ولا يمكن القول: بأن الشريف من أقطاب هذا الفن، فشعره في الزهد قليل، ولكنه على كل حال من شواهد هذا الباب، ولننظر هذه القصيدة وهي تصور سخريته من الرغبة في استبقاء المال:
يا آمن الأقدار بادر صرفها
واعلم بأن الطالبين حثاث
خذ من تراثك ما استطعت فإنما
شركاؤك الأيام والوراث
لم يقض حق المال إلا معشر
وجدوا الزمان يعيث فيه فعاثوا
تحثو على عيب الغني يد الغنى
والفقر عن عيب الفتى بحاث
المال مال المرء ما بلغت به
الشهوات أو دفعت به الأحداث
ما كان منه فاضلا عن قوته
فليعلمن بأنه ميراث
ما لي إلى الدنيا الغرورة حاجة
فليخز ساحر كيدها النفاث
طلقتها ألفا لأحسم داءها
وطلاق من عزم الطلاق ثلاث
سكناتها محذورة وعهودها
منقوضة وحبالها أنكاث
أم المصائب لا يزال يروعنا
منها ذكور نوائب وإناث
إني لأعجب من رجال أمسكوا
بحبائل الدنيا وهن رثاث
كنزوا الكنوز وأغفلوا شهواتهم
فالأرض تشبع والبطون غراث
أتراهم لم يعلموا أن التقى
أزوادنا وديارنا الأجداث
والزهد - في هذه القصيدة - له معنى غير الزهد المعروف، فهو هنا دعوة إلى إنفاق المال في الشهوات ودفع العاديات، فالشاعر يحب المال، ولكنه يرى استبقاءه من الحمق، وهذا وجه الزهد. أما الحرمان فليس من أغراض هذا الشاعر وتلك أيضا صوفية، وللتصوف وجوه كثيرة، منها هذا الوجه، ومن الصوفية من يوسع على نفسه في يومه، ويترك الغد للأقدار، ولنقيد أن «الشهوات» في هذه القصيدة لا يراد بها الشهوات الحسية، وإنما المراد بها مطالب العيش المترف الذي بجانب التقشف ويقبل على الطيبات.