الخطايا لا تفوح
24
فإذا المستور منا
بين ثوبيه نضوح
كم رأينا من عزيز
طويت عنه الكشوح
صاح منه برحيل
صائح الدهر الصدوح
موت بعض الناس في الأر
ض على قوم فتوح
سيصير المرء يوما
جسدا ما فيه روح
بين عيني كل حي
علم الموت يلوح
كلنا في غفلة وال
موت يغدو ويروح
لبني الدنيا من الدن
يا غبوق وصبوح
رحن في الوشى وأصبح
ن عليهن المسوح
كل نطاح من الده
ر له يوم نطوح
نح على نفسك يا مس
كين إن كنت تنوح
لتموتن وإن عمر
ت ما عمر نوح
قال: فلما سمع الرشيد ذلك جعل يبكي وينتحب، وكان الرشيد من أغزر الناس دموعا في وقت الموعظة، وأشدهم عسفا في وقت الغضب والغلظة، فلما رأى الفضل بن الربيع كثرة بكائه أومأ إلى الملاحين أن يسكتوا.
25
وهذا الحديث يدل على ثلاثة أمور: الأول أن الملاحين لذلك العهد كانوا يلحنون، وذلك معقول، فما نظن أن الفصيح ساد سيادة مطلقة في جميع الطبقات في أي عصر من العصور، وليس هذا خاصا باللغة العربية: فسائر اللغات كذلك؛ لأن الإفصاح في أغلب الأحيان من سمة الخواص.
والثاني أن أبا العتاهية كان معروفا بسهولة الشعر، وبأنه أقدر الناس على النظم الفصيح الذي يفهمه العوام.
والثالث أن أبا العتاهية كان لا يخلو من الميل إلى الأذى، فهذا الشعر الجيد لم ينظم لوجه الحق، وإنما نظم لإيذاء الرشيد، وهذا الميل الخبيث كانت له أسباب فما كان يعقل أن ينظم أبو العتاهية أبياتا تصلح لبشاشة الغناء وهو سجين، ولكن التعريض بالرشيد وإنذاره بزوال الدنيا والملك هو في هذا الموقف من نزغات الشيطان.
صور من خوالجه الزهدية
ولا ننكر أن في هذا شيئا من روح الشجاعة وهي من أهم آثار التصوف وقد شجع في موطن آخر حين كتب إلى الرشيد، وقد توانى في إخراجه من الحبس.
أما والله إن الظلم لوم
26
وما زال المسيء هو الظلوم
إلى ديان يوم الدين نمضي
وعند الله تجتمع الخصوم
لأمر ما تصرفت الليالي
وأمر ما توليت النجوم
27
تموت غدا وأنت قرير عين
من الغفلات في لجج تعوم
تنام ولم تنم عنك المنايا
تنبه للمنية يا نئوم
سل الأيام عن أمم تقضت
ستخبرك المعالم والرسوم
تروم الخلد في دار المنايا
وكم قد رام غيرك ما تروم
أخباره مع الرشيد
ولا بد من الإشارة إلى أرجوزته المزدوجة التي سماها «ذات الأمثال» وهذه الأرجوزة من بدائع أبي العتاهية
28
وقد جرى ذكرها بحضرة الجاحظ وأنشد المنشد قوله:
يا للشباب المرح التصابي
روائح الجنة في الشباب
فقال الجاحظ للمنشد: قف، ثم قال: انظروا إلى قوله:
روائح الجنة في الشباب
فإن له معنى كمعنى الطرب الذي لا يقدر على معرفته إلا القلوب، وتعجز عن ترجمته الألسنة، إلا بعد التطويل وإدامة التفكير، وخير المعاني ما كان القلب إلى قبوله أسرع من اللسان إلى وصفه.
28
وتلك الأرجوزة تجمع بين الحكمة والزهد، فهي دستور أبي العتاهية في الأخلاق، ولنكتف منها بهذه الشذرات:
حسبك مما تبتغيه القوت
ما أكثر القوت لمن يموت
الفقر فيما جاوز الكفافا
من اتقى الله رجا وخافا
هي المقادير فلمني أو فذر
إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر
لكل ما يؤذي وإن قل ألم
ما أطول الليل على من لم ينم
ما انتفع المرء بمثل عقله
وخير ذخر المرء حسن فعله
إن الفساد ضده الصلاح
ورب جد جره المزاح
من جعل النمام عينا هلكا
مبلغك الشر كباغي هلكا
إن الشباب والفراغ والجده
مفسدة للمرء أي مفسده
ما عيش من آفته بقاؤه
نغض عيشا طيبا فناؤه
ما تطلع الشمس ولا تغيب
إلا لأمر شأنه عجيب
ما زالت الدنيا لنا دار أذى
ممزوجة الصفو بألوان القذى
الخير والشر بها أزواج
لذا نتاج ولذا نتاج
من لك بالمحض وليس محض
يخبث بعض ويطيب بعض
لكل إنسان طبيعتان
خير وشر وهما ضدان
إنك لو تستنشق الشحيحا
وجدته أنتن شيء ريحا
والخير والشر إذا ما عدا
بينهما بون بعيد جدا
عجبت حتى غمني السكوت
صرت كأني حائر مبهوت
كذا قضى الله فكيف أصنع
الصمت إن ضاق الكلام أوسع