وهذه اللمحات من الزهد لا يخلو منها ديوان شاعر إلا في القليل ومن السهل على القارئ أن يتعقبها ويدرس ما فيها من مختلف النوازع النفسية، فلنقف عند هذا الحد، فإنما نريد التنبيه لا الاستقصاء.
واجهة من ضريح علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - في النجف وأكثر الصوفية يرجعون نظام الخرقة إلى علي بن أبي طالب ويرونه أول من أذاع المعاني الروحية.
ضريح الحسن البصري بضواحي البصرة والحسن البصري أخذ عن علي بن أبي طالب، وإليه يرجع الفضل في تأسيس قواعد التصوف. (انظر تفصيل ذلك في الباب الأول من الجزء الثاني.)
| ذخائر منسية من الأدب الصوفي
كيف جهل مؤرخو الأدب بلاغة الصوفية
نتكلم في هذا الفصل عن طوائف من الأخيلة والمعاني والصور لم يهتم بها رجال الأدب، ولم يحسبوا لها أي حساب. ولعل السر في إغفال مؤرخي الأدب لهذه الفنون أنهم لم يضعوا البلاغة الصوفية في الميزان؛ لأن الصوفية كانوا انحازوا جانبا عن صحبة الأدباء؛ ولأن الأدباء أنفسهم كانوا أقبلوا على الصور الحسية إقبالا شغلهم عن الأدب الذي يصور أحوال الأرواح والقلوب، فظنوا أدب الصوفية بعيدا عن المجال الذي تسابقوا فيه: مجال التشبيب والوصف والحماسة والعتاب.
ولو أن رجال الأدب وعلماء البلاغة نظروا في الأدب الصوفي نظرة جدية لا تخذوا منه شواهد في المجازات والتشبيهات، ولرأوا فيه كلمات متخيرة تصلح نماذج لإصابة المعنى والغرض. ولكنهم انصرفوا عنه فلم نر في مؤلفاتهم النقدية غير شواهد من كلام الشعراء والكتاب والخطباء الذين سبقوا في ميادين غير ميادين الأرواح والقلوب.
بكاء داود وبكاء يحيى
وأول ما راعني من هذا الأدب المجهول الصورة التي وضعها الصوفية لبكاء داود عليه السلام: فقد حدثوا أنه بكى أربعين يوما ساجدا لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من دموعه، وحتى غطي رأسه. فنودي: يا داود، أجائع أنت فتطعم، أم ظمآن فتسقى، أم عار فتكسى؟ فنحب نحبة هاج لها العود فاحترق من حر خوفه. ثم أنزل الله عليه التوبة والمغفرة فقال: يا رب اجعل خطيئتي في كفي. فصارت خطيئته في كفه مكتوبة. فكان لا يبسط كفه لطعام ولا لشراب ولا لغيره إلا رآها فأبكته. وكان يؤتى بالقدح ثلثاه ماء، فإذا تناوله أبصر خطيئته فما يضعه على شفته حتى يفيض القدح من دموعه.
1
وحدثوا أنه لما طال بكاؤه ولم ينفعه ذلك ضاق ذرعه، واشتد غمه، فقال: يا رب، أما ترحم بكائي! فأوحى الله إليه: يا داود، نسيت ذنبك وذكرت بكاءك؟ فقال: إلهي وسيدي، كيف أنسى ذنبي، وكنت إذا تلوت الزبور كف الماء الجاري عن جريه، وسكن هبوب الريح، وأظلني الطير على رأسي، وأنست الوحوش إلى محرابي! إلهي وسيدي، فما هذه الوحشة التي بيني وبينك؟ فأوحى الله إليه: يا داود، ذاك أنس الطاعة، وهذه وحشة المعصية. يا داود! آدم خلق من خلقي، خلقته بيدي، ونفخت فيه من روحي، وأسجدت له ملائكتي، وألبسته ثوب كرامتي، وتوجته بتاج وقاري، وشكا إلي الوحدة فزوجته حواء أمتي، وأسكنته جنتي؛ ثم عصاني فطردته عن جواري عريان ذليلا. يا داود، اسمع مني والحق أقول: أطعتنا فأطعناك، وسألتنا فأعطيناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن عدت إلينا على ما كان منك قبلناك.
وحدثوا أنه كان إذا أراد أن ينوح مكث قبل ذلك سبعا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب، ولا يقرب النساء، فإذا كان قبل ذلك بيوم أخرج له المنبر إلى البرية فأمر سليمان أن ينادي بصوت يستقري البلاد وما حولها من الغياض والآكام والجبال والبراري والصوامع والبيع، فينادي فيها: ألا من أراد أن يسمع نوح داود على نفسه فليأت. فتأتي الوحوش من البراري والآكام، وتأتي السباع من الغياض، وتأتي الهوام من الجبال، وتأتي الطير من الأوكار، وتأتي العذراى من خدورهن، ويجتمع الناس لذلك اليوم، ويأتي داود حتى يرقى المنبر ويحيط به بنو إسرائيل، وكل صنف على حدته محيطون به، وسليمان قائم على رأسه، فيأخذ في الثناء على ربه فيضجون بالبكاء والصراخ، ثم يأخذ في ذكر الجنة والنار فتموت الهوام وطائفة من الوحوش والسباع والناس، ثم يأخذ في ذكر الجنة والنار فتموت الهوام وطائفة من الوحوش والسباع والناس، ثم يأخذ في أهوال القيامة وفي النياحة على نفسه فيموت من كل نوع طائفة. فإذا رأى سليمان كثرة الموتى قال: يا أبتاه قد مزقت المستمعين كل ممزق، وماتت طوائف من بني إسرائيل ومن الوحوش والهوام، فيأخذ في الدعاء. فبينا هو كذلك إذ ناداه بعض عباد بني إسرائيل: يا داود، عجلت بطلب الجزاء على ربك. فيخر داود مغشيا عليه، فإذا نظر سليمان إلى ما أصابه أتى بسرير فحمله عليه. ثم أمر مناديا ينادي: ألا من كان له مع داود حميم أو قريب فليأت بسرير فإن الذين معه قتلهم ذكر الجنة والنار.