تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لو رأى الناس نبيا

سائلا ما وصلوه

أنت ما استغنيت عن صا

حبك الدهر أخوه

فإذا احتجت إليه

ساعة مجك فوه

وتارة يدعو إلى القناعة فيقول:

متى تنقضي حاجات من ليس واصلا

إلى حاجة حتى تكون له أخرى

وإن امرأ يسعى لغير نهاية

لمنغمس في لجة الفاقة الكبرى

وفي هذين البيتين صورة جيدة للشقاء الذي يتتابع وفقا لتتابع الرغائب، وقد زاد هذا المعنى إيضاحا حين قال من كلمة ثانية:

ليس على المرء في قناعته

إن هي صحت أذى ولا نصب

من لم يكن بالكفاف مقتنعا

لم تكفه الأرض كلها ذهب

وتارة يسلك مسلك التخويف من عواقب الحياة، وله في ذلك معان جيدة كقوله في نقص الأنفس من حيث تكون الزيادة في الفتوة:

ونفس الفتى مسرورة بنمائها

وللنقص تنمو كل ذات نماء

وقوله يصف يقظة الموت:

لم يشغل الموت عنا منذ أعد لنا

وكلنا عنه باللذات مشغول

وقوله في الترهيب من الغرور بما يملك الرجال:

يا رب ذي نشب تكنفه

حب الحياة وغره نشبه

قد صار مما كان يملكه

صفرا

20

وصار لغيره سلبه

21

يا صاحب الدنيا المحب لها

أنت الذي لا ينقضي تعبه

إن استهانتها بمن صرعت

لبقدر ما تسمو به رتبه

وإن استوت للنمل أجنحة

حتى يطير فقد دنا عطبه

إني حلبت الدهر أشطره

فرأيته لم يصف لي حلبه

حلم الفتى مما يزينه

وتمام حلية فضله أدبه

ولأبي العتاهية لحظات يقف فيها موقف الواعظ، كأن يقول:

الحرص داء قد أضر

بمن ترى إلا قليلا

كم من عزيز قد رأيت

الحرص صبحه ذليلا

فتجنب الشهوات واحذر

أن تكون لها قتيلا

فلرب شهوة ساعة قد

أورثت حزنا طويلا

من لم يكن لك منصفا

في الود فابغ به بديلا

وعليك نفسك فارعها

واكسب لها فعلا جميلا

ولقلما تلقى اللئيم

عليك إلا مستطيلا

والمرء إن عرف الجمي

ل وجدته يبغي الجميلا

اضرب بطرفك حيث شيء

ت فلا ترى إلا بخيلا

وقد يتشاءم من الوجود كله ويرى الراحة في الاستهانة به فيقول:

يا رب برق شمته

عادت مخيلته عجاجا

ولرب عذب صار بع

د عذوبة ملحا أجاجا

ولرب أخلاق حسا

ن عدن أخلاقا سماجا

كدر الصفاء من الصد

يق فلا ترى إلا مزاجا

وإذا الأمور تزاوجت

فالصبر أكرمها نتاجا

هون عليك مضايق ال

دنيا تعد سبلا فجاجا

من عاج من شيء إلى

شيء أصاب له معاجا

22

وقد تغلب عليه الحكمة، والرغبة في النصح، كأن يدعو إلى صيانة الوجه عن السؤال فيقول:

ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله

عوضا ولو نال الغنى بسؤال

أو يدعو إلى القناعة بالقليل فيقول:

متى تمسي وتصبح مستريحا

وأنت الدهر لا ترضى بحال

وقد يجري قليل المال مجرى

كثير المال في سد الخلال

إذا كان القليل يسد فقري

ولم أجد الكثير فلا أبالي

أو يحبب إليهم الصمت فيقول:

الصمت أجمل بالفتى

من منطق في غير حينه

لا خير في حشو الكلا

م إذا اهتديت إلى عيونه

طريقته في نظم أشعار الزهد

بقيت مسألة أكثر الرواة من الكلام عليها، ولكنا لا نفهمها، فقد حدثوا أن أبا العتاهية امتنع عن الغزل، وأن ذلك غاظ الرشيد فحبس من أجله أبا العتاهية؛ ولذلك أخبار طوال ذكر بعضها في الأغاني، وبعضها في زهر الآداب، وليس من المستحيل أن يقع ذلك من الرشيد، ولكنه سخف لا يبعد أن يكون من وضع الملفقين، وهذا البحث يوجب أن نشير إلى بعض تلك الأخبار، فلنكتف بما نقل محمد بن صالح عن أبي العتاهية. قال: كان الرشيد مما يعجبه غناء الملاحين في الزلالات

23

إذا ركبها، وكان يتأذى بفساد كلامهم ولحنهم، فقال: قولوا لمن معنا من الشعراء يعملوا لهؤلاء شعرا يغنون فيه، فقيل له: ليس أقدر على هذا من أبي العتاهية، وهو في الحبس، قال: فوجه إلي الرشيد: قل شعرا حتى أسمعه منهم، ولم يأمر بإطلاقي، فغاظني ذلك، فقلت: والله لأقولن شعرا يحزنه، ولا يسر به، فعملت شعرا ودفعته إلى من حفظه الملاحين، فلما ركب الحراقة سمعه، وهو:

خانك الطرف الطموح

أيها القلب الجموح

لدواعي الخير والشر

دنو ونزوح

هل لمطلوب بذنب

توبة منه نصوح

كيف إصلاح قلوب

إنما هن قروح

أحسن الله بنا أن

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٣٤