تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15

سخرية معاصريه من تزهده

غير أنه لا ينكر أن مجموعة أخبار أبي العتاهية تمثله رجلا يضجره القلق، ويقل في حياته الأمن والاطمئنان، ودليل ذلك ما حدث به أبو عكرمة عن شيخ له من أهل الكوفة قال: دخلت مسجد المدينة ببغداد بعد أن بويع الأمين محمد بسنة، فإذا شيخ عليه جماعة وهو ينشد:

لهفي على ورق الشباب

وغضونه الخضر الرطاب

ذهب الشباب وبان عني (م) غير منتظر الإياب

فلأبكين على الشبا

ب وطيب أيام التصابي

ولأبكين من البلى

ولأبكين من الخضاب

إني لآمل أن أخلد (م)

والمنية في طلابي

قال: فجعل ينشدها وإن دموعه لتسيل على خديه، فلما رأيت ذلك لم أصبر أن ملت فكتبتها، وسألت عن الشيخ فقيل لي: هو أبو العتاهية.

16

فهذه الحسرة على الشباب وأيام التصابي تصوره رجلا مغلوبا على اللذات، وتطعن في صحة زهده، ولو كان زهده عن إخلاص مطلق لرمى بذكريات الشباب حيث رمتها الأيام.

ولسنا نقول: بأن الزهد يقضي على جميع الصبوات القلبية، وأن بكاء الشباب لا يمر بقلب رجل زاهد، وأن الحسرة على أيام التصابي لا تكون إلا من رجل مزعزع اليقين، لا، ولكنا نتخذ من ذلك شاهدا على أن الرجل ظل يعيش إلى أخريات أيامه بقلب مفتون بأيام الصبوة والفتك، وإن كان شعره في الزهد ملأ الدنيا وغزا صوامع الرهبان.

17

قلقه الروحي وحزنه على الشباب

أما شعر أبي العتاهية في الزهد فكان في الأغلب سهلا لينا، وكانت له في ذلك سياسة يكشف عنها حديث نقله صاحب الأغاني عن كتاب هارون بن علي، قال: حدثني علي بن مهدي عن ابن أبي الأبيض قال: أتيت أبا العتاهية فقلت له: إني رجل أقول الشعر في الزهد، ولي فيه أشعار كثيرة، وهو مذهب أستحسنه لأني أرجو أن لا آثم فيه، وسمعت شعرك في هذا المعنى فأحببت أن أستزيد منه، فأحب أن تنشدني من جيد ما قلت، فقال: اعلم أن ما قلته رديء. قلت: وكيف! قال: لأن الشعر ينبغي أن يكون مثل أشعار الفحول المتقدمين، أو مثل شعر بشار وابن هرمة، فإن لم يكن كذلك فالصواب لقائله أن تكون ألفاظه مما لا تخفى على جمهور الناس مثل شعري، ولا سيما الأشعار التي في الزهد، فإن الزهد ليس من مذاهب الملوك، ولا من مذاهب رواة الشعر ولا طلاب الغريب، وهو مذهب أشغف الناس به الزهاد وأصحاب الحديث والفقهاء وأصحاب الرياء والعامة، وأعجب الأشياء إليهم ما فهموه، فقلت: صدقت. ثم أنشدني قصيدته:

لدوا للموت وابنوا للخراب

فكلكم يصير إلى تباب

ألا يا موت لم أر منك بدا

أتيت وما تحيف وما تحابي

كأنك قد هجمت على مشيبي

كما هجم المشيب على شبابي

18

وهذا اعتذار عن إيثار السهولة واللين، وهو لا يمنع أن يقع للشاعر شيء من الكلام الجزل. كأن يقول:

طول التعاشر بين الناس مملول

ما لابن آدم إن فتشت معقول

يا راعي الشاء لا تغفل رعايتها

وأنت عن كل ما استرعيت مسئول

إني لفي منزل ما زلت أعمره

على يقين بأني عنه منقول

وليس من موضع يأتيه ذو نفس

إلا وللموت سيف فيه مسلول

لم يشغل الموت عنا مذ أعد لنا

وكلنا عنه باللذات مشغول

ومن يمت فهو مقطوع ومجتنب

والحي ما عاش مغشي وموصول

كل ما بدا لك فالآكال فانية

وكل ذي أكل لا بد مأكول

ولأبي العتاهية في زهدياته مذاهب، فتارة يدعو إلى اليأس من الناس، كأن ينفر من الثقة بالأصدقاء فيقول:

ليخل امرؤ دون الثقات بنفسه

فما كل موثوق به ناصح الجيب

أو يتهمهم بضعة النفس والتبعية للأغنياء فيقول:

وابغ ما اسطعت عن الناس الغنى

فمن احتاج إلى الناس ضرع

19

قد بلونا الناس في أخلاقهم

فرأيناهم لذي المال تبع

أو يحكم بأنهم لا يتعارفون إلا بفضل ما ستروا من نوازع الشر فيقول:

وفي الناس شر لو بدا ما تعاشروا

ولكن كساه الله ثوب غطاء

أو يصفهم بالفضول فيقول:

وللناس خوض في الكلام وألسن

وأقربها من كل خير صدوقها

وما صح إلا شاهد صح غيبه

وما تنبت الأغصان إلا عروقها

أو يرميهم بالبخل فيقول:

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٣٣