تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحدثوا أنه كان لأبي العتاهية جار ضعيف، سيئ الحال، متجمل عليه ثياب، فكان يمر بأبي العتاهية طرفي النهار، فيقول أبو العتاهية: اللهم أغنه عما هو بسبيله، شيخ ضعيف، سيئ الحال، عليه ثياب متجمل، اللهم أعنه واصنع له وبارك فيه. فبقي على هذا الحال إلى أن مات الشيخ نحوا من عشرين سنة، وما تصدق عليه قط بدرهم ولا دانق، وما زاد على الدعاء شيئا. قال المحدث: فقلت له يوما: يا أبا إسحاق، إني أراك تكثر الدعاء لهذا الشيخ وتزعم أنه فقير مقل، فلم لا تتصدق عليه بشيء؟ فقال: أخشى أن يعتاد الصدقة، والصدقة آخر كسب العبد، وإن في الدعاء لخيرا كثيرا.

11

بخله وحرصه على المال

والكلام عن بخل أبي العتاهية وشحه ومنعه الزكاة كثير جدا يجده القارئ في الأغاني وغيره، والأقاصيص المروية عنه بعضها صحيح وبعضها منحول، ولكنها في جملتها تدل على أن معاصريه تلقوا مسلكه في الزهد بالغمز والسخرية، واستكثروا عليه أن يكون من أهل الحكمة والدين.

وقد كانت له بالفعل آراء فيها تطرف، ولم يسلم من التهمة بالزندقة، وكان من العسير أن تمر الأزمان العقلية في زمانه ولا تمسه بشيء من السوء، وقد استطاع خصومه أن يهيجوا عليه العامة، وأن يدعوا أنه زنديق، وأن يتهموه بالتهاون بالجنة وابتذال ذكرها في شعره إذ يقول:

كأن عتابة من حسنها

دمية قس فتنت قسها

يا رب لو أنسيتنيها بما

في جنة الفردوس لم أنسها

12

ولاتهامه بالزندقة أخبار كثيرة، وذلك يدل على أن معاصريه لم يتقبلوا زهده بأحسن القبول، وما ظنكم برجل كان الخواص من أحبائه يذكرون أخبار زهده بالسخرية، فقد حدث مخارق أن أبا العتاهية دعاه لزيارته، فلما حضر وجد الشواء والشراب والفاكهة والريحان، فشرب ما شاء، ثم قال له أبو العتاهية: غنني في قولي:

أحمد قال لي ولم يدر ما بي

أتحب الغداة عتبة حقا

فغناه، فشرب قدحا وهو يبكي أحر بكاء، ثم قال: غنني في قولي:

ليس لمن ليست له حيلة

موجودة خير من الصبر

فغناه وهو يبكي وينشج، ثم شرب قدحا آخر وقال: غنني، فديتك، في قولي:

خليلي ما لي لا تزال مضرتي

تكون مع الأقدار حتما من الحتم

قال مخارق: وما زال يقترح علي كل صوت غني به في شعره فأغنيه ويشرب ويبكي حتى صار العتمة فقال: أحب أن تصبر حتى ترى ما أصنع، فجلست فأمر ابنه وغلامه فكسرا كل ما بين أيدينا من النبيذ وآلته والملاهي، ثم أمر بإخراج كل ما في بيته من النبيذ وآلته فأخرج جميعه، فما زال يكسره ويصب النبيذ وهو يبكي حتى لم يبق من ذلك شيء، ثم نزع ثيابه واغتسل، ثم لبس ثيابا بيضا من صوف، ثم عانقني وبكى، ثم قال: السلام عليك يا حبيبي وفرحي من الناس كلهم، سلام الفراق الذي لا لقاء بعده، وجعل يبكي، وقال: هذا آخر عهدي بك في حال تعاشر أهل الدنيا، فظننت أنها بعض حماقاته، فانصرفت وما لقيته زمانا، ثم تشوقته فأتيته فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت، فإذا هو أخذ قوصرتين

13

وثقب إحداهما وأدخل رأسه ويديه فيها وأقامها مقام القميص، وثقب الأخرى وأخرج رجليه منها وأقامها مقام السراويل. فلما رأيته نسيت كل ما كان عندي من الغم عليه والوحشة لعشرته، وضحكت والله ضحكا ما ضحكت مثله قط. فقال: من أي شيء تضحك؟ فقلت: أسخن الله عينك! هذا أي شيء هو؟ من بلغك عنه أنه فعل مثل هذا من الأنبياء والزهاد والصحابة والمجانين؟ انزع عنك هذا يا سخين العين.

14

اتهامه بالزندقة

ما لنا ولأخبار أبي العتاهية نتحدث عن الصحيح منها والمنحول، ونسرد ما أضيف إليه على سبيل الفكاهة والسخرية ، إنه لا شك في أن أبا العتاهية شغل بتقويم نفسه، وأقبل في بعض أدوار حياته على التنسك والزهد، ولا يخرج حاله عن فرضين: الأول أن يكون مخلصا، الثاني أن يكون مرائيا، فإن كان مخلصا فشعره شاهد ذلك الإخلاص، وإن كان مرائيا فهو ورياؤه وأشعاره من مظاهر التصوف؛ لأن التخلق بأخلاق الزهاد لا يكون إلا إن صح لهم اسم وصيت، ولا جدال في أن الزهاد كان لهم سلطان في ذلك العهد، وكان يسر أبا العتاهية أن يقف من الخلفاء ذلك الموقف المشرف الذي كان يقفه عمرو بن عبيد وعبد الله بن المبارك، وقد صح له شيء من تلك الأحلام، فذكر بالخير في مجلس الرشيد ومجلس المأمون.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٣٢