تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبني البعد في الطبا

ع على القرب في الصور

وفي البيت الثاني نظرة فلسفية لا تكثر على أبي نواس وقد خبر طوائف كثيرة من خلق الله!

وحدث أحمد بن يحيى ثعلب قال: كنت أحب أن أرى أحمد بن حنبل فصرت إليه، فلما دخلت عليه قال لي: فيم تنظر؟ فقلت: في النحو والعربية، فأنشدني أبو عبد الله أحمد بن حنبل:

إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل

خلوت، ولكن قل: علي رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ما مضى

ولا أن ما تخفي عليه يغيب

لهونا عن الأيام حتى تتابعت

ذنوب على آثارهن ذنوب

فيا ليت أن الله يغفر ما مضى

ويأذن في توباتنا فنتوب

5

وهذه الأبيات من شعر أبي نواس، وحسبه شرفا أن يروي شعره أحمد بن حنبل.

وفي ديوان أبي نواس باب اسمه باب الزهد يشتمل على قصائد ومقطوعات تمثل رأي الشاعر في بعض الأزمات النفسية والأخلاقية، فليرجع إليه القارئ إن شاء. ولكن لا بد من الإشارة إلى أن هذا الشاعر يتفق له أحيانا أن ينطق بأبيات هي نماذج من الندم الموجع وهو يتحدث عن المجون، وتعليل ذلك سهل: فلبعض النفوس الجوامح صبوات إلى ما في الرشد من طمأنينة وأمان.

شعر أبي العتاهية

وبعد أبي نواس يأتي أبو العتاهية، وكان أولى بالتقديم لغلبة الزهد على شعره، ولكنا نرى القليل من زهديات أبي نواس أحفل بروح الصدق من كثير أبي العتاهية.

كان أبو العتاهية غزير البحر، لطيف المعاني، سهل الألفاظ، كثير الافتنان قليل التكلف، إلا أنه كثير الساقط المرذول مع ذلك، وأكثر شعره في الزهد والأمثال.

6

وكان في صباه لا يتخير أصدقاءه من خيار الناس، فلما تقدمت به السن مال إلى الرزانة والجد، ولكن ماضيه في صحبة الفارغين ظل يلاحقه طول حياته، وظل معاصروه يتهمونه بتكلف الزهد ويتقولون عليه الأقاويل.

قال الجاحظ: وزعم لي بعض أصحابنا قال: دخلت على أبي العتاهية في بعض المتنزهات وقد دعا عياشا صاحب الجسر وتهيأ له بطعام وقال لغلامه: إذا وضعت قدامهم الغداء فقدم إلي ثريدة بخل وزيت، فدخلت عليه وإذا هو يأكل منها أكل متكمش غير منكر لشيء، فدعاني فمددت يدي معه، فإذا بثريدة بخل وبزر بدلا من الزيت، فقلت له: أتدري ما تأكل؟ قال: نعم! ثريدة بخل وبزر فقلت: وما دعاك إلى هذا؟ قال: غلط الغلام بين دبة الزيت ودبة البزر

7

فلما جاءني كرهت التجبر وقلت: دهن كدهن فأكلت وما أنكرت شيئا.

8

وهم بهذا يتهمونه بالشح على نفسه، ويرونه من أهل الحرص على ما يملك وليس ذلك من أخلاق الزاهدين.

وقال ثمامة بن أشرس: أنشدني أبو العتاهية:

إذا المرء لم يعتق من المال نفسه

تملكه المال الذي هو مالكه

ألا إنما مالي الذي أنا منفق

وليس لي المال الذي أنا تاركه

إذا كنت ذا مال فبادر به الذي

يحق وإلا استهلكته مهالكه

فقلت له: من أين قضيت بهذا؟ قال: من قول رسول الله

صلى الله عليه وسلم : «إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت».

فقلت له: أتؤمن بأن هذا قول رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وأنه الحق؟ قال: نعم. قلت: فلم تحبس عندك سبعا وعشرين بدرة في دارك

9

ولا تأكل منها ولا تشرب ولا تزكي ولا تقدمها ذخرا ليوم فقرك وفاقتك؟ فقال: يا أبا معن، والله إن ما قلت لهو الحق، ولكني أخاف الفقر والحاجة إلى الناس، فقلت: وبم تزيد حال من افتقر على حالك، وأنت دائم الحرص، دائم الجمع، شحيح على نفسك، لا تشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد؟ فترك جواب كلامي كله ثم قال لي: والله لقد اشتريت في يوم عاشوراء لحما وتوابله وما يتبعه بخمسة دراهم. فلما قال لي هذا القول أضحكني حتى أذهلني عن جوابه ومعاتبته، فأمسكت عنه وعلمت أنه ليس ممن شرح الله صدره للإسلام.

10

وفي هذه القصة فكاهة، واختراعها يدل على غرام من عاصروا أبا العتاهية بتعقب أخباره وحمل الناس على الارتياب في حقيقة ما كان يعلن من الزهد.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٣١