ليجزيه عن صبره الغد قادر
شربت فلما قيل: ليس بنازع
نزعت وثوبي من أذى اللوم طاهر
1
حديث آدم بن عبد العزيز
ونبدأ هذا الفصل بالكلام عن أبي نواس؛ لأنه أظهر شخصية تكلمت في الزهد بعد المجون، ويمتاز أبو نواس بالإخلاص في كل ما لهج به من المعاني الشعرية، فهو مخلص في زندقته، ومخلص في فجوره، ومخلص في تقاه، ولا تكاد تشعر بأن أبا نواس يعبث، إنما يتكلم بكلام أصحاب المبادئ: فهو يشك عن إخلاص، ويلحد عن إخلاص، ويفسق عن إخلاص، ويتوب عن إخلاص، فهو أنموذج لقوة الروح وحياة الوجدان، في مسالك الهوى ومسارب الضلال. وأول ما تنبهنا له من شعور أبي نواس بلوعة الندم قوله في مطلع قصيدة يمدح بها الأمين:
يا دار ما فعلت بك الأيام
ضامتك والأيام ليس تضام
عرم الزمان على الذين عهدتهم
بك قاطنين وللزمان عرام
2
أيام لا أغشى لأهلك منزلا
إلا مراقبة علي ظلام
ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم
وأسمت سرح اللهو حيث أساموا
وبلغت ما بلغ أمرؤ بشبابه
فإذا عصارة كل ذاك أثام
وهذه «العصارة» ظلت تلاحق أبا نواس بمرهوب الخيال، ولعله كان يقاسي اعتلاج هذه المرارة حين قال يدافع عن اقتراف الشهوات:
غدوت على اللذات منهتك الستر
وأفضت بنات السر مني إلى الجهر
وهان علي الناس فيما أريده
بما جئت فاستغنيت عن طلب العذر
رأيت الليالي مرصدات لمدتي
فبادرت لذاتي مبادرة الدهر
وهذا الشعر يمثل مذهبه في تعليل الفسوق، فهو يخاف من الليالي ويراها تنتهب مدته في الحياة، فيسبق لاقتناص ما يستطيع اقتناصه من طيب اللذات.
إخلاص أبي نواس في ميادين اللهو والجد
ثم ننظر فإذا عمر أبي نواس يميل إلى الغروب، وعندئذ ينفر من اللذات تجملا فيقول:
أيا من بين باطية وزق
وعود في يدي غان مغني
إذا لم تنه نفسك عن هواها
وتحسن صونها فإليك عني
فإني قد شبعت من المعاصي
ومن إدمانها وشبعن مني
ومن أسوا وأقبح من لبيب
يرى متطربا في مثل سني
ونراه يفزع عن قرب أجله فيقول:
سهوت وغرني أملي
وقد قصرت في عملي
ومنزلة خلقت لها
جعلت لغيرها شغلي
يظل الدهر يطلبني
وينحوني على عجل
فأيامي تقربني
وتدنيني إلى أجلي
أو يجزع من الشيب فيقول:
انقضت شرتي
3
فعفت الملاهي
إذ رمى الشيب مفرقي بالدواهي
ونهتني النهى فملت إلى العد
ل وأشفقت من مقالة ناه
أيها الغافل المقيم على السهو
ولا عذر في المقام لساه
لا بأعمالنا نطيق خلاصا
يوم تبدو السماء فوق الجباه
ثم نراه ينظر إلى العمر نظرة فلسفية إذ يقول:
إن مع اليوم فاعلمن غدا
فانظر بما ينقضي مجيء غده
ما ارتد طرف امرئ بلذته
إلا وشيء يموت من جسده
والبيت الثاني يمثل عند الشعور به أقصى غايات الخوف والجزع.
نوازعه الزهدية
ولأبي نواس نظرات في الناس والحياة، فالناس عنده يتسللون من الهالكين، وإذا انتسب الرجل فهو ابن فلان الهالك ابن فلان الهالك، وهكذا دواليك إلى آدم، فنسبهم في الهلاك نسب عريق، والحياة عنده عدو يلبس ثوب الصديق.
أرى كل حي هالكا وابن هالك
وذا حسب في الهالكين عريق
فقل لقريب الدار: إنك ظاعن
إلى منزل نائي المحل سحيق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت
له عن عدو في ثياب صديق
وهذه النظرة على جانب من الدقة وطرافة الخيال، فأنساب الناس مطمورة في التراب، والدنيا تبدو في زينتها وتبسم كل يوم، ولكنها تعطينا اللذات بثمن غال عزيز، هي تأخذ العمر والعافية، وأي شيء أثمن من العمر والعافية؟
رأيه في الدنيا والناس
وأبو نواس، على ما به، يثق بالله، ويدعو إلى الثقة به، ويرى الحاجة إلى الناس من علامات ضعف اليقين، ويقول:
لو لم تكن لله متهما
لم تمس محتاجا إلى أحد
الاهتمام برواية زهديات أبي نواس
وشهرة أبي نواس بالخلاعة والمجون لم تمنع أهل الفضل من رواية شعره. في الزهد، وقد اختار له ابن أبي الحديد
4
الرائية التي يقول فيها يخاطب الآدميين:
يا بني النقص والعبر
وبني الضعف والخور