23
والواقع أن هذا الضرب من التزمت كان كثير الوقوع في البيئات الإسلامية، ومن الرجعة إليه ما نراه اليوم عند الوهابيين من مقاومة الموسيقا والغناء وما نراه عند ناس من أهل مصر إذ يقاومون بعض الفنون الأدبية، ولو اقترح بعض المصلحين إدخال الثقافة الموسيقية في المعاهد الدينية لما قوبل اقتراحه بغير السخرية والاستهزاء.
ولكن هذا التزمت لم يحل بين الصوفية وبين الأدب، ولم يصرفهم عن الموسيقا والغناء؛ لأنهم يملكون عنصرين من أنفس عناصر الاستعداد: وهما الإخلاص والصفاء، وكذلك انطلقوا ينظمون وينشئون في فنون مختلفة لا يصدهم عرف، ولا يعوقهم خوف، فكان منهم أقطاب في الموسيقا والغناء.
والتزمت الذي أحيطوا به لا يخلو من فضل، فهو نفسه دليل على قوة الحاسة الخلقية، وشاهد على أنهم لا يلهون حين ينظمون ويغنون، وإنما يتبعون وحي الوجدان.
وفي هذا الكتاب تنهض الحجج الدوامغ على أن الصوفية كانوا من قادة الفكر والبيان، فسيرى القارئ كيف ابتدعوا فن المدائح النبوية، وكيف تدرج هذا الفن إلى أن صار من القوى الأدبية، وسيرى كيف أنشأوا فن المناجاة الذي يتمثل في حب الذات الإلهية وفي الأدعية والأوراد، وكيف أوحى الزهد أكرم الشعر إلى كبار الشعراء، وكيف كان بغضهم للدنيا مما عاد على الأدب بكثير من النفحات الوجدانية، وكيف أجادوا القول في الوصايا والنصائح إلى آخر ما تتفرق عناصره في قسم الأدب وقسم الأخلاق من هذا الكتاب.
وليتذكر القارئ أن «أدباءنا» هؤلاء لم يكونوا من المحترفين، وهذا نقص من جانب، وفضل من جانب، هو نقص حين ننظر إلى بعض ما نراه في أدبهم أحيانا من ضعف النسج، وهو فضل حين نراهم سلموا في الأغلب مما تورط فيه الأدباء المحترفون، حين أثقلوا أدبهم بالزخرف والتنميق.
كيف نفهم أدب الصوفية؟
وقارئ هذه الفصول مرجو أن ينظر إلى أدب الصوفية برفق، فهم يؤثرون المعاني ويسيرون في ظلال الأذواق. وقد تكون اللمحة منهم أصدق شعرا وأوفى معنى من ديوان ينظمه أديب من أهل الاحتراف. فإن رآنا القارئ نستجيد ما لا يستجيد فليتفضل بالتروي قبل أن يحكم علينا بالتعصب، فلأدب القوم موازين غير ما وضعه أمثال الآمدي والجرجاني وأبي هلال.
والقارئ مرجو أيضا أن يتسامح إن رآنا نظلمهم في بعض الأحيان، فما ندعي أننا أحطنا خبرا بجميع مذاهبهم الذوقية، ومن الخير أن نعترف بأن حظنا من التصوف أقل من القليل، وأننا لا نملك من أدوات هذا الأدب الصوفي إلا رسما ضئيلا جدا من رسوم الصفاء.
وفي ظلال هذا التحفظ نشرع في درس الأدب الذي أنشأه التصوف، راجين أن لا يضيع ما أنفقنا فيه من العمر والعافية، والله وحده هو المستعان.
| كلام الشعراء في الزهد
الزهد بعد المجون
نذكر في هذا الفصل أشياء من كلام الشعراء في الزهد، ولا نقول: الصوفية، فلهؤلاء وجهة غير وجهة أولئك، إنما نريد الشعراء الذين عرفوا في بعض أدوار حياتهم بالمجون، ثم غزتهم المعاني الروحية فنقلتهم من حال إلى حال.
والماجنون حين يزهدون يصبح شعرهم قيثارة تندب بأوتار الندم والخوف، ويمسون ولهم شمائل تنفح بالوداعة واللين، ومن أمثلة ذلك حديث آدم بن عبد العزيز الأموي، وكان ماجنا منهمكا في الشراب، وكان يصحب يعقوب بن الربيع أخا الفضل بن الربيع، وكان يعقوب أيضا من أهل الخلاعة والمجون، ثم تاب آدم بن عبد العزيز ونسك، واتفق أن استأذن يوما على يعقوب بن الربيع، وكان يشرب، فقال يعقوب: ارفعوا الشراب، فإن هذا قد تاب وأحسبه يكره أن يحضره! فرفع الشراب وأذن له، فلما دخل آدم قال: إني لأجد ريح يوسف! فقال يعقوب: هو الذي وجدت، ولكنا ظننا أن يثقل عليك لتركك له. قال: إي والله، إنه ليثقل علي ذاك! قال: فهل قلت في ذلك شيئا منذ تركته؟ قال: نعم! وأنشد:
ألا هل فتى عن شربها اليوم صابر