ألا فابلغا عني عراك بن مالك
فإن أنت لم تفعل فأبلغ أبا بكر
فقد جعلت تبدو شواكل منكما
فإنكما بي موقران من الصخر
وطاوعتما بي غادرا ذا معاكة
لعمري لقد أورى وما مثله يورى
20
فلولا اتقا الله اتقائي فيكما
للمتكما لوما أحر من الجمر
فمسا تراب الأرض منها خلقتما
وفيها المعاد والمقام إلى الحشر
ولا تأنفا أن تغشيا فتكلما
فما حشي الأقوام شرا من الكبر
ولو شئت أدلى فيكما غير واحد
علانية أو قال عندي في السر
فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما
ضحكت له حتى يلج ويستشري
وكيف تريدان ابن سبعين حجة
على ما أتى وهو ابن عشرين أو عشر
لقد علقت دلواكما دلو حول
من القوم لا رخو المراس ولا نزر
قال ابن شهاب: فقلت له: مثلك يرحمك الله مع نسكك وفضلك وفهمك يقول الشعر؟ فقال: إن المصدور إذا نفث بري.
21 •••
أيكون هذا شاهدا على أن النساك ما كان يليق بهم أن ينظموا الشعر؟ هو ذاك، ولكن له تأويل، فإن الحملة التي وجهت إلى الشعر على أثر ما كان من لدد اليهود وتوثب شعراء المشركين كانت أثرت تأثيرا عميقا في حياة المسلمين من الوجهة الأدبية، فرأيناهم يسرفون في بغض الشعر والنيل من الشعراء، وكان من ذلك أن قيل لسعيد بن المسيب: إن قوما بالعراق يكرهون الشعر فقال: نسكوا نسكا أعجميا. وسئل ابن سيرين في المسجد عن رواية الشعر في رمضان، وقد قال قوم: إنها تنقض الوضوء، فقال:
نبئت أن فتاة كنت أخطبها
عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول
ثم قام فأم الناس ...
وسئل ابن عباس: هل الشعر من رفث القول؟ فأنشد:
وهن يمشين بنا هميسا
إن تصدق الطير نن... لميسا
وقال: إنما الرفث عند النساء، ثم أحرم للصلاة.
ورأينا الناس يزعمون أن الإمام الشافعي قال:
ولولا الشعر بالعلماء يزري
لكنت اليوم أشعر من لبيد
ولا يزال شيوخ الأزهر مختلفين في بدء الشعر بالبسملة؛ لأنه فيما يرون ليس من الأمور ذوات البال. ولا أدل على هوان الشعر في نظر الفقهاء من قول الغزالي: «وأما الشعر فكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح»، وهذا كله من أثر الحملة التي وجهت إلى الشعر والشعراء.
وقد اهتم ناس من أهل الأدب بتصحيح هذا الموقف، منهم ابن رشيق الذي أتعب نفسه بذكر نماذج من أشعار الخلفاء والأئمة والقضاة؛ ليقيم الحجة على أن الشعر مباح. وحسب الشعر هوانا أن تقول: إنه مباح.
22
والظاهر أن تلك الحملة كانت حملة عامية، فإن الذين أثاروها بعد الرسول هم العوام، والذين قاوموها هم الخواص، فقد حدث محمد بن سلمة عن أبيه قال: أتيت عبد العزيز بن المطلب أسأله عن بيعة الجن للنبي
صلى الله عليه وسلم
بمسجد الأحزاب ما كان بدؤها، فوجدته مستلقيا يتغنى:
فما روضة بالحزن طيبة الثرى
يمج الندى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزة موهنا
وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها
من الخفرات البيض لم تلق شقوة
وبالحسب المكنون صاف نجارها
فإن برزت كانت لعينك قرة
وإن غبت عنها لم يغمك عارها
فقلت له: أتغني أصلحك الله وأنت في جلالك وشرفك؟ أما والله لأحملنها ركبان نجد! قال: فوالله ما اكترث بي وعاد يتغنى:
فما ظبية أدماء خفاقة الحشا
تجوب بظلفيها متون الخمائل
بأحسن منها إذ تقول تدللا
وأدمعها تذرين حشو المكاحل:
تمتع بذا اليوم القصير فإنه
رهين بأيام الصدود الأطاول
قال: فندمت على قولي وقلت له: أصلحك الله، أتحدثني في هذا بشيء؟
فقال: نعم حدثني أبي قال: دخلت على سالم بن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهم) وأشعب يغنيه:
مغيرية كالبدر سنة وجهها
مطهرة الأثواب والعرض وافر
لها حسب زاك وعرض مهذب
وعن كل مكروه من الأمر زاجر
من الخفرات البيض لم تلق ريبة
ولم يستملها عن تقى الله شاعر
فقال له سالم: زدني! فغناه:
ألمت بنا والليل داج كأنه
جناح غراب عنه قد نفض القطرا
فقلت: أعطار ثوى في رحالنا
وما احتملت ليلى سوى طيبها عطرا
فقال له سالم: والله لولا أن تتداوله الرواة لأجزلت جائزتك فإنك من هذا الأمر بمكان.