تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولست كمن أمسى على الحب كاذبا

مضلا لأرباب العقول السخيفة

يمن على الجهال من عصبة الهوى

بنسبته في الحب من غير نسبة

فيزعم طورا أنه عين عينها

ويزعم طورا أنها فيه حلت

ويجمع ما بين النقيضين قوله

وذاك محال في العقول السليمة

ومضى فذكر شيئا من أخبار الصوفية في التعمل والغموض، ثم قال: ومما يلحق بكلام الصوفية وليس منه قول بعض الفضلاء:

ما يقول الفقيه أيده الله

ولا زال عنده الإحسان

في فتى علق الطلاق بشهر

قبل ما بعد قبله رمضان

وشاهد التعقيد الذي يشبه كلام الصوفية «أن البيت الثاني ينشد على ثمانية أوجه: بالتقديم والتأخير والتغيير مع استعمال اللفظ في الحقائق دون المجاز وصحة الوزن، وكل بيت منها يشتمل على مسألة من الفقه في التعاليق الشرعية والألفاظ اللغوية، وتلك المسألة تشتمل على سبع مئة وعشرين مسألة من المسائل الفقهية والتعاليق اللغوية بشرط التزام المجاز في الألفاظ وطرح الحقائق وعدم ذكر الوزن إلخ. إلخ».

14 •••

وقد أطال الصفدي في شرح هذه المعميات، وليس يعنينا إلا حكمه بأن هذا النمط من القول: «يشبه كلام الصوفية».

وكتب ابن عربي إلى عمر بن الفارض يستأذنه في شرح التائية فأجابه:

كتابك المسمى بالفتوحات المكية شرح لها.

15

وفي كلا الأثرين غموض، ولا مانع من أن يشرح الغموض بالغموض، فنفى النفي إثبات!

ومن كلام ابن عربي:

يا من يراني ولا أراه

كم ذا أراه ولا يراني

وقد سأله بعض إخوانه لما سمع هذا البيت: كيف تقول: إنه لا يراك وأنت تعلم أنه يراك؟ فقال:

يا من يراني مجرما

ولا أراه آخذا

كم ذا أراه منعما

ولا يراني لائذا

قال المقري: «من هذا وشبهه تعلم أن كلام الشيخ - رحمه الله - مئول، وأنه لا يقصد ظاهره، وإنما له محامل تليق به ... فأحسن الظن به ولا تنتقد، بل اعتقد، وللناس في هذا المعنى كلام كثير، والتسليم أسلم، والله بكلام أوليائه أعلم».

16

وما نريد أن نحكم بأن الغموض هو خير المذاهب الأدبية، وأن الصوفية صاروا بإيثار الغموض خير الناس، لا، وإنما نريد أن نقول: إن وجودهم الأدبي كان ظاهرا جدا، وأن مذهبهم في التعبير شاع حتى وصل صداه إلى ميادين النقد الأدبي، وليس الغموض بالمذهب المذموم على الإطلاق، فله في مصر وغير مصر أنصار وأشياع، وليس من المستكره أن يعمد الكاتب إلى معانيه فيفصح عن بعض ويرمز إلى بعض، بل قد يكون من مظاهر الأريستوقراطية العقلية أن لا يفكر الكاتب إلا في الخواص، وهذه الأريستوقراطية ليست مذمومة في جميع الأحوال؛ لأن الكاتب لا يحسن به دائما أن يخاطب جميع الناس، فللوضوح مقامات، وللغموض مقامات، وكانت معاني الصوفية أدق من أن ترسل إلى مختلف الجماهير في ألفاظ واضحة المدلول.

أصل التحامل على الشعر والشعراء

وأذواق الصوفية كانت مما ضرب به المثل في الحياة الأدبية، ومن ذلك «مدام الصوفي» في قول جمال الدين عبد القاهر التبريزي يصف الشبابة:

وناطقة بأفواه ثمان

تميل بعقل ذي اللب العفيف

لكل فم لسان مستعار

يخالف بين تقطيع الحروف

تخاطبنا بلفظ لا يعيه

سوى من كان ذا طبع لطيف

نصيحة عاشق ونديم راع

وعزة موكب ومدام صوفي

17

وكانت طرائقهم في الإنشاء معروفة أيضا، فقد تحدث المقري عن أبي المطرف بن عميرة قال:

وأما الكتابة فهو فارسها الذي لا يجارضى، وصاحب عينها الذي لا يبارى، وله وعظ على طريقة ابن الجوزي.

18

وكانت لهم آراء معروفة في المذاهب الأدبية، فهم الذين قاوموا القصاص، ومقاومة القصاص تقوم على نزعة خلقية؛ لأن القصاص في رأيهم «يخلطون ويغلطون ويقدمون ويؤخرون»

19

ولكنها في الجوهر تقوم على استنكار مذهب من المذاهب الأدبية التي تعتمد أولا وقبل كل شيء على حسن البيان، ومعنى هذا أن البيان عندهم يجب أن ينهض على أساس من الخلق الصحيح.

دفاع خواص النساك عن الشعر والغناء

قد يقال: إن النساك كان يستكثر عليهم نظم الشعر، فإن المرزباني نقل بسنده أن ابن شهاب قال: أتيت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يوما في منزله فإذا هو مغيظ ينفخ، فقلت له: ما لي أراك هكذا؟ قال: دخلت على عاملكم هذا - يعني عمر بن عبد العزيز - ومعه عبد الله بن عمر بن عثمان فسلمت فلم يردا علي السلام، فقلت:

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٧