تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12

مذهب الصوفية في إيثار الغموض

والصوفية في جميع العصور كانت لهم رموز وإشارات، ولو دون المؤلفون كل ما اصطلح عليه الصوفية لكان من ذلك شيء كثير، والذي يتأمل ألفاظهم يراها تدل على لباقة وذكاء: فألفاظهم المعاشية والاجتماعية وضعت في الأصل لستر معانيهم عن عامة الناس.

والصوفية في العصر الحاضر لهم تعايير خاصة بهم، وتنفرد كل طائفة بجملة من الاصطلاحات، والشاذلية الذين صحبتهم فأحمدت صحبتهم، لهم كلمات لا تزال في البال على قدم العهد: فالحلواء التي توزع على الإخوان بعد الحضرة اسمها النفحة، والورد الأكبر اسمه وظيفة، والاسم الذي يلقن لكبار المريدين هواسم السر، والرفيق اسمه (أخينا) والمتكلم اسمه (الفقير) وإذا طلب أحدهم من أخيه حاجة كان من الأدب أن يبدأ الخطاب بهذه العبارة: «نعم سيدي» ورئيس الحضرة (المقدم) والرفاق اسمهم (الإخوان) والعقوبة اسمها (المناصفة)، وإذا دعا المقدم الإخوان إلى إبداء الرأي قال: (تذاكروا يا حبايب).

وقد لاحظت أن تعايير الصوفية تختلف وفقا لمنشأ المذهب، فالشاذلية مثلا ألفاظهم في الأكثر مغربية، والأحمدية ألفاظهم مصرية، وهكذا دواليك.

والذي ينظر في مناقب الصوفية - وهي كثيرة جدا - يجد فروقا ظاهرة فيما نسب إلى القوم من الألفاظ والتعايير والاصطلاحات، ومن الطريف أنهم قد يتعايرون بالألفاظ، كما يتفق ذلك لأهل الديانات، فيسخر بعضهم من ألفاظ بعض. واختلافهم في الألفاظ والتعابير من دلائل الحيوية وقوة الشخصية، ولو لم يكن لهم في الدنيا وجود ملحوظ لما احتاجت كلماتهم إلى من يجمعها ويضع لها مختلف التأويلات.

أساس البيان عند الصوفية

وألفاظهم في الطعام خاصة تدل على شيئين: الأول استطراف الجمهور لما أذاعوا من التعايير، وما كان يصح ذلك لولا اهتمامهم بالصور الأدبية، والثاني كلفهم بالطعام، وهذا معقول؛ لأن الحرمان الذي درجوا عليه جعل للطعام في أنفسهم حرمة قوية عبروا عنها بتلك الصور الشعرية التي خلدوا بها أسماء طائفة من الأطعمة المشتهاة، ولعل منهم من لا يزال يغازل الأطعمة بالطريف المستملح من الكنى والألقاب، والشوق يبعث الخيال!

هل كان نظم الشعر مما لا يحسن بالنساك؟

ومذهب الصوفية في الغموض معروف، وقد وصل صداه إلى ميادين النقد الأدبي، فرأينا الثعالبي يعيب على المتنبي «امتثال ألفاظ المتصوفة واستعمال كلماتهم المعقدة ومعانيهم المغلقة» في مثل قوله في وصف فرس: «سبوح لها منها عليها شواهد» وقوله:

أفيكم فتي حي يخبرني عني

بما شربت مشروبة الروح من ذهني

وقوله:

نال الذي نلت منه مني

لله ما تصنع الخمور

وقوله:

كبر العيان علي حتى إنه

صار اليقين من العيان توهما

وقوله:

وبه يضن على البرية لا بها

وعليه منها لا عليها يوسى

وقوله:

ولولا أنني في غير نوم

لكنت أظنني مني خيالا

قال الصاحب: ولو وقع قوله:

نحن من ضايق الزمان له في

ك وخانته قربك الأيام

في عبارات الجنيد والشبلي لتنازعته المتصوفة دهرا طويلا.

13

وعرض الصفدي ما روي أن أعرابيا لقيه رجل لم يكن يعرفه قبل ذلك فقال له: كيف كنت بعدي؟ فقال له الأعرابي: ما بعد ما لا قبل له؟ ثم قال: «وأما قول شرف الدين بن الفارض:

حديثي قديم في هواها وما له

كما علمت بعد وليس له قبل

فأمر خارج عن العقل؛ لأن العقل لا يمكن أن يتصور شيئا لا قبل له ولا بعد إلا واجب الوجود، ولكن الصوفية يحيلون مثل هذه الأشياء على الذوق ويقولون في مثل هذه الأمور: إنها من وراء العقل».

ثم قال بعد أن روى حكاية شيخ تكلم على طرائق الصوفية في حضرة ابن دقيق العيد بكلام لم يفهم منه غير المفردات:

وهؤلاء القوم يسلم لهم حالهم، فإنهم قد جاء منهم علماء كبار مثل الشيخ محيي الدين بن عربي وقطب الدين بن معين، وفي كلامهم من هذا النوع كثير.

وحدثنا أن السنجاري عارض تائية ابن الفارض بتائية طويلة «حط فيها عليه» منها قوله:

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٦