تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع هذا نرى عقل العصر الحاضر يميل أشد الميل لدراسة التصوف، وهي ظاهرة حسنة تبشر بإقبال الناس على المعاني الروحية، وإن كان أغلب الباحثين في التصوف لهذا العهد لا ينظرون إليه إلا من الناحية الفلسفية أو الاجتماعية.

3

ولا بد من النص على أن دراسة التصوف الإسلامي كانت توجب الطواف بما كتب عنه في اللغة الفارسية واللغة التركية، ففي الفرس والترك صوفية لهم مقام عظيم في الأدب والأخلاق، ولكن الله أغنانا عن ذلك بعض الإغناء؛ فقد اعتمدنا على مؤلفات عربية كان مؤلفوها يمثلون القومية الإسلامية، يوم كانت اللغة العربية هي لغة التأليف في أكثر الأقطار الإسلامية.

وكذلك يجد القارئ روح الصوفية ممثلة في هذا الكتاب أجمل تمثيل وإن تباعدت بهم المنازل، وانقسموا إلى قبائل وشعوب.

وقد رأى القارئ أننا في أغلب الأحوال عطفنا على الصوفية أشد العطف، ولا غضاضة في ذلك، فقد يتفق للباحث أن يتعقب الصوفية على نحو ما صنعنا في كتاب «الأخلاق عند الغزالي»، ولكن تعقب الصوفية والنص على أغلاطهم وهفواتهم لا يصرف المنصف عن الاعتراف بأخطارهم العالية بين رجال الأخلاق.

ودراسة مؤلفات الصوفية دراسة عميقة تدلنا على ألوان المعارف الفلسفية والنفسية التي عرفها الأسلاف، فالصوفية هم علماء النفس عند المسلمين، وهم الصلة بين القديم والحديث، القديم الذي عرفه الفرس والروم والهنود والمصريون، والحديث الذي ابتكره العرب والمسلمون.

والفرق بين باحث مثل أرسططاليس، وباحث مثل الغزالي بعيد جدا، فأرسططاليس يبحث أصول الأخلاق من الناحية النظرية، ولا يهمه غير إقناع العقل، أما الغزالي فيهتم بإنارة القلب، ويسوق الشواهد والأمثال بأسلوب خلاب يحرك القلوب، وهو مع ذلك لا يغفل عن تعليل الأخلاق وتحليلها من الوجهة النظرية، فقارئ كتاب أرسططاليس يخرج عالما، وقارئ كتاب الغزالي يخرج عالما ومهتديا.

ولو شئنا لغضضنا النظر عن المفاضلة بين أرسططاليس والغزالي، وفاضلنا بين ابن مسكويه والغزالي، فابن مسكويه معلم، والغزالي واعظ، والفرق بين المذهبين لا يحتاج إلى بيان.

وما نقول به قد تنبه إليه القدماء حين وازنوا بين كتاب المكي، وكتاب الغزالي، فقد قالوا: كتاب الإحياء يورثك العلم، وكتاب القوت يورثك النور.

وإنما كان الأمر كذلك لأن المكي في قوت القلوب غلبت عليه النزعة الروحية، ولا كذلك الغزالي في الإحياء فقد غلبت عليه النزعة العلمية.

ومن الواضح أن الأخلاق لا يكفي في فهمها قبول العقل، وإنما يجب أن تتغلغل إلى القلب بحيث يصبح الحس الخلقي جارحة وجدانية.

وعند هذه النقطة يظهر الفرق بين الصوفية وبين رجال الأخلاق، فالفلاسفة يعللون ويحللون في حدود المنطق والعقل، أما الصوفية فيزيدون على ذلك ربط الشخصية الخلقية بالشخصية الدينية، فالوازع عند الفلاسفة هو العقل، والوازع عند الصوفية هو العقل والوجدان ومراعاة الأدب مع الله ذي القوة والجبروت والجلال والجمال.

قد يقال: إن في الصوفية ناسا يستهينون بالأخلاق العملية.

وهذا حق، ففي الصوفية قوم يحتقرون الظواهر، ويحتقرون الأعمال.

وهؤلاء على ضلالهم الظاهر لهم مكانة أخلاقية؛ لأنهم لا يثورون على الظواهر إلا وهم يعلمون أنهم عربات تجرها قاطرة الوجود، فهم في ضلالهم وهداهم تابعون أوفياء.

وليس المهم أن تنساق مع المأثور من نظام الأخلاق، ولكن المهم أن لا تتقدم ولا تتأخر إلا وأنت شاعر بأنك على هدى أو على ضلال.

وزيغ بعض الصوفية زيغ جميل؛ لأنهم حولوا الوجود إلى قوة شعرية تموج بالمفاتي وتزخر بالغرائب والأعاجيب.

وهؤلاء المسرفون على أنفسهم قد استطاعوا أن يحفظوا الشخصية الخلقية نقية سليمة، فهم تصوروا الشرور والآثام مقاصد أرادها علام الغيوب، ولم يتصوروا أنفسهم ثائرين على العزة الربانية، وبذلك بقيت ضمائرهم خالصة من شوائب العناد والمكابرة، فعاش أدبهم الأثيم ينفح بالعطر والطيب على اختلاف الأجيال.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٥٢