تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رجونا القارئ مرات أن يكتفي منا بالإيجاز، وعساه يفعل فلا يتهمنا بالتقصير. وقد أشرنا مرة إلى ما صنع أبو الحسن الشاذلي حين فسر بعض آيات القرآن على الطريقة الصوفية، ولو كان المجال اتسع لأشرنا إلى جميع من فسروا القرآن على ذلك الأسلوب كما صنع ملأ سلطان على وغيره من الذين رأوا أن أكثر آيات القرآن رموز لمعان روحية، وهذا اعتساف بلا جدال، ولكن النص عليه واجب.

وأشرنا كذلك إلى من وجه أشعار الفجور وجهة روحية ، ولو اتسع المجال لتكلمنا على كثير ممن صنعوا هذا الصنيع، ونوهنا بمن عكسوا القضية فنقلوا المعاني الروحية إلى أذواق حسية.

1

ليت وليت!

ليت الزمان كان أعفانا من الشواغل التي تقصم الظهر فمضينا نشرح ما تمثلناه وتصورناه ثم تحققناه من الثورة التي أحدثها التصوف في عالم الأدب والأخلاق.

لقد وضعنا القاعدة حين ألفنا كتاب (الأخلاق عند الغزالي) فتحدثنا قليلا عن أنصار الغزالي وخصومه، وكان لذلك أثر ظاهر في تصوير مذاهب ذلك الفيلسوف، ولو أننا عقدنا بابا في هذا الكتاب للكلام على أنصار التصوف وخصوم التصوف لاتضح هذا المذهب الفلسفي أكثر مما اتضح، ولكن يعزينا أننا لم نغفل هذه الناحية كل الإغفال، فقد بسطنا القول فيما بين رجال الحقيقة، ورجال الشريعة من خلاف، وبينا ما للتصوف وما عليه بيانا شافيا.

ولكن لا مفر من تنبيه القارئ إلى أن هناك ثروة أدبية وفلسفية أثارها التصوف، وهي الشاهد على تأثيره في الأدب والأخلاق، وهذه الثروة تنتظر من يثيرها في كتاب غير هذا الكتاب، فما كان في مقدورنا أن نتخطى منهج البحث، ونحن مقيدون بسلاسل من حديد هي التقاليد الجامعية التي توجب الوقوف عند الأصول وتكره الإفاضة في الحديث عن الفروع؛ لأن نظام الرسالة يغاير نظام الكتاب.

وكان في النية أن نعقد بابا للفرق بين تصوف أهل السنة وتصوف الشيعة، ولكنا عند التأمل لم نر موجبا لهذه التفرقة، فالصوفية لا يعيرون هذا الخلاف كبير الفتات، والخلاف بين أهل السنة والشيعة ليس خلافا دينيا كما يتوهم الأكثرون، وإنما هو في أغلب صوره خلاف سياسي، ومن قال بغير ذلك فهو غافل أو جهول، والصوفية من الشيعة يرون الغزالي من أساتذتهم وهو سني، والصوفية من أهل السنة يرون الحلاج من أساتذتهم وهو شيعي. وكتب التصوف تسكت عن هذه الفروق المذهبية؛ لأن للتصوف غاية تفوق ذلك.

ولكن كانت هناك محاولة تنفع لو اتسع الوقت، وهي شرح تأثر المذاهب الصوفية بالبيئات المحلية، فمن المؤكد عندنا أن الصوفية متصلون بالأرض التي ينشأون فيها أتم اتصال، ومثلهم في ذلك مثل الفقهاء، فالفقيه المصري يعاني مشكلات لا يعانيها الفقيه العراقي، وقصة تحليل النبيذ في حياة أبي حنيفة هي الشاهد على ذلك، فقد كان الخلاف حول الشراب مما يشغل أهل العراق

2

والحال كذلك في التصوف:

فالمعضلات التي اهتم بها الشعراني معضلات مصرية، والأزمات التي عاناها صدر الدين الشيرازي هي أزمات فارسية، فعند الشيرازي ألوان من المشكلات الأخلاقية أنشأها البلد الذي عاش فيه، وآداب المريدين عنده لها لون خاص يدركه من يتعمق في درس كتاب «الأسفار»، ولو اتسع المجال لتحدثنا عن هذا الفيلسوف في فصل خاص، فله ذوق يشبه ذوق عمر الخيام في بعض مراميه مع حفظ الفارق بين التصون والمجون.

ليت ثم ليت! وهل ينفع شيئا ليت؟

ليتنا استطعنا أن نتكلم على الصوفية في العصر الحاضر، فلهم أذواق وأخلاق تستحق التسجيل، ولكن عاقنا سوء الظن بمحصولهم الأدبي، فليس فيهم رجل فيلسوف، وإن كثر فيهم المتحذلقون!

يضاف إلى ذلك أننا أقمنا هذا الكتاب على أصول يغلب فيها النقد والتجريح. والتعرض للأحياء بهذه الحرية قد يؤذيهم أشد الإيذاء.

وما رأيت في صوفية هذا العصر غير رجلين: رجل طيب القلب يرى الصوفية منزهين عن الملام، ورجل جاهل يرى التصوف بابا من الانحلال، وقد صنت قلمي عن التعرض لهذا وذاك.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٥١