ونخلص من ذلك كله إلى حقيقة واضحة، وهي أن الصوفية في ضلالهم وهداهم كانوا قوما يعرفون جواهر الأخلاق، فللعوام عندهم نظام، وللخواص نظام، وقد كرهوا أن نحدث العوام بما نحدث به الخواص، فالأخلاق تتلون وتتشكل باختلاف الأشخاص، وهذه نظرة لا تخلو من حصافة وسداد.
وفي الصوفية من ثار على الكتب المقدسة وثار على الأنبياء، وهذا في رأي رجال الشرع كفر موبق، ولكنه عظيم جدا من الوجهة الأخلاقية؛ لأنه يمنح الشخصية الخلقية قوة ساحقة تجترف جميع العوائق، وتقف الرجل أمام الله وجها لوجه، كما وقف الأنبياء والمرسلون، وليس هذا بالقليل.
ولا تظهر قيمة هذه النظرة إلا إذا تدبرنا ما وقع فيه بعض النصارى، وبعض المسلمين من الاستعباد للنصوص، فالخضوع المطلق للنصوص عطل المواهب في البيئات النصرانية والإسلامية، وخضوع بعض المتصوفة أمام أشياخهم لم يكن إلا صورة من خنوع بعض النصارى أمام القسيسين والرهبان، وجرأة الأحرار من الصوفية هي فيما أفترض أساس الثورة التي أقامها جمهور من النصارى على الكنيسة الأرثوذوكسية والكنيسة الكاثوليكية، فالبروتستانت من النصارى هم تلاميذ الصوفية من المسلمين؛ لأنهم رفضوا أن يكون بينهم وبين الله وسيط، كما رفض أحرار الصوفية أن يكون بينهم وبين الله وسيط.
وسيأتي يوم يتضح فيه أن ثورة بعض النصارى على عبادة الصور لم تكن إلا أثرا لاطلاع بعض القسيسين على المذاهب الصوفية.
إن الصوفي المعتدل يقبل من شيخه كل شيء، كما يقبل النصراني المعتدل من القسيس كل شيء، والصوفي المعتدل يقدم كلام شيخه على القرآن والحديث، كما يقدم النصراني المعتدل كلام الرهبان على كلام الإنجيل، أما الصوفي الثائر فيرفض جميع النصوص ويتسامى إلى مخاطبة الله والفهم عنه بلا مرشد ولا دليل، وهنا أقول بصراحة: إن هذا أساس متين لبناء الشخصية الخلقية، وإن غضب رجال الدين.
4
وهنا تعرض شبة في غاية من الخطورة يصورها هذا السؤال:
كيف يسلم المجتمع مع هذه الآراء؟
ونجيب بأن هذه الآراء تعرض المجتمع لأخطر أنواع الانحلال؛ لأنها تفتح الباب للطفيليين والواغلين من أدعياء الأخلاق، وستمصي دهور ودهور قبل أن تصلح هذه الآراء لأن تكون شريعة يعيش عليها جميع الناس.
إن الخلق الصحيح هو الذي يروضك على أن تعيش سليما معافى من آفات الشطط والجموح، وينظمك في سلك واحد مع من تسايرهم وتعاشرهم من خلق الله أو خلق الشيطان.
والعاقل
والعاقل - أعني صاحب الشخصية الخلقية - هو الذي يفهم أنه مسئول عن مراعاة منافعه الأدبية والاقتصادية بحيث يضمن الربح ويأمن الخسران.
ومن أجل هذا حرص جمهور الصوفية على رياضة مريديهم سليمة تبعدهم عن المزالق ومواطن الشبهات، كالذي صنع مؤلف القوت ومؤلف الإحياء.
ومن أجل هذا أيضا قسم الصوفية مريديهم إلى: عوام، وخواص، وخواص الخواص، ولكل فرقة من هؤلاء الثلاثة آداب.
أليس الصوفية هم الذين قضوا بأن صوم خصوص الخصوص لا يقع فيه الفطر بالطعام والشراب، وإنما يقع الفطر بارتكاب المآثم ونهش الأعراض؟
ولكن هذا الذوق الرقيق لا ينفع ما دام في الدنيا ناس لهم أذواق غلاظ، والذوق الغليظ هو الغالب على بني آدم في كل زمان وفي كل مكان.
أما بعد - وقد تعبنا من أما بعد - فإن موقفنا من هذه الآراء موقف المؤرخ للنظريات الفلسفية، ونحن نعرضها بقوة وعنف كأننا من أهلها، وليس الأمر كذلك، وإنما هي عدوى وصلتنا من أستاذنا الغزالي -طيب الله ثراه -، فقد كان يسهب في شرح المردود من الآراء حتى اتهم بأنه من أنصار تلك الآراء، فإن بدا لبعض الناس أن يتهمونا بتزيين ما لا يقبله رجال الدين فليذكروا أننا لا نفكر في متابعة أحد من رجال الدين، وإنما نجعل النظرية الفلسفية أساس هذه البحوث.
وما دامت المقادير شاءت أن يكون هذا الكتاب من محصول الجامعة المصرية فليكن صورة صحيحة من صور التفكير في الجامعة المصرية، والتفكير في الجامعة المصرية يقوم على أساس متين: هو الصراحة التامة في عرض النظريات والأفكار والآراء.