تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد يقال: إن الصوفية لم يأتوا بشيء جديد، فهم يرضون ويغضبون على نحو ما يقع لسائر رجال الأخلاق، ونقول: إن ما امتاز به الصوفية هو التحرز الشديد من آفات الأخلاق، والإلحاح الموصل في تعرف أهواء النفوس والقلوب، وإنا لنرجو أن يرجع القارئ إلى الجزء الثالث والرابع من كتاب الإحياء، فقد شرح الغزالي ضروب المهلكات والمنجيات شرحا وافيا، وفصلها أوسع تفصيل، وجمع بين المعقول والمنقول بأسلوب شائق جذاب، وما عرف إنسان مؤلفات الغزالي إلا أحس بوجوب الرجوع إلى درس نفسه من جديد.

| خاتمة الكتاب

ما أحسبني أحتاج إلى التذكير بالأساس الذي قام عليه هذا الكتاب، فقد فصلت القول فيه كل التفصيل، واعتذرت غير مرة بارتباط بعض أجزاء الكتاب ببعض ارتباطا يجعل من العسير في بعض الأحيان أن يكون البحث الواحد في الأدب الصرف أو الخلق البحت، فلم يبق إلا أن يكون التقسيم مبنيا على غلبة الخصائص الأدبية أو الأخلاقية، وكذلك صنعت في تبويب هذا الكتاب، فجعلت الجزء الأول في الأدب، والجزء الثاني في الأخلاق.

وقد امتد بنا الشوط في الدراسات والمراجعات وهممنا بأن نجعل هذا الكتاب مرجعا شاملا لجميع الآراء الصوفية، ولكن الوفاء لمنهج البحث صرفنا عما هممنا به من الاستطراد والاستقصاء، فما كانت غايتنا إلا بيان تأثير التصوف في الأدب والأخلاق، وفي مثل هذه الحال لا يطلب منا أن نقف عند كل باب وقفة الشارحين والمحققين، فذلك يطلب ممن يؤلف كتابا في شرح الأخلاق الصوفية على نحو ما صنع المكي في قوت القلوب، والغزالي في إحياء علوم الدين.

وقد شهد القارئ في الجزء الأول أننا حرصنا على بيان الخصائص الأساسية للأدب الصوفي، وأسهبنا في الكلام على الأشعار والفقرات التي حملت معاني التصوف عن طريق التصريح أو التلميح، واهتممنا بإظهار ما بين ذلك الأدب وبين المجتمع من صلات، فاتخذناه وثيقة نعرف بها كيف كانت الروح الفكرية والاجتماعية في البيئات التي عاش فيها أولئك القوم.

ولم يفتنا أن ننص على مزالقهم الأدبية والعقلية ونحن نحلل تلك الأشعار والفقرات؛ لأننا رأينا أن منهج البحث يوجب أن تكون في هذا الكتاب أحكام أدبية يهتدي بها من يراجع أدب الصوفية.

وقد جرى ذلك كله في حدود القصد والاعتدال فلم نخرج من الأطناب إلى التطويل، ولم نسرف في عرض الشخصيات الأدبية والفلسفية، وإنما وقفنا عند الشواهد التي تكفي لبيان المذهب الأدبي أو الفلسفي في ميدان التصوف، فالحكم العطائية مثلا لم تكن كل ما عرفه الأدب الصوفي من هذا النوع، وأشواق ابن الفارض لها نظائر وأمثال، والحلاج لم يكن أول وآخر من استشهدوا في سبيل القول بوحدة الوجود، فهناك الشلمغاني الذي أحرقت جثته في بغداد، فمن شاء أن يمضي في درس الأنواع والشخصيات فليسر على بركة الله فقد مهدنا له الطريق.

وما أذكر أني ألححت في الشرح والتبيين إلحاحا كاد يثقل منهج البحث إلا حين تكلمت على نظرية وحدة الوجود، وحجتي في ذلك أن هذه النظرية ظلت غامضة على اختلاف الأجيال، ولم يفهمها من الباحثين إلا الأقلون، والذين فهموها جبنوا عن عرضها عرضا واضحا صريحا، وأكثر من فهموها كانوا يؤمنون بها إيمانا لا يخلو من جهل وسخف، فرأيت أن أدرس ما لها وما عليها بحيدة نزيهة، واستطردت فبينت أثرها في المذاهب الصوفية والشعبية، وكدت أنطق القارئ بالقول بأنها رجعة إلى المذاهب الوثنية، فالقول بوحدة الوجود يفرض أن نرى الألوهية في كثير من الأشياء، وهذا عند التأمل ليس إلا صورة من الرجعة لأساطير اليونان.

وما رأى في ذلك شيئا من الغضاضة على أقطاب التصوف والتشيع، فالمذاهب الفلسفية يتسلسل بعضها عن بعض، وتنتقل إلى الناس بطرائق نجهلها من طرائق الوجود فيتقبلونها بلا وعي ولا احتساب؛ لأن الإنسان في الواقع يرزح تحت أعباء ثقال من مواريث الأفكار والعقائد والمذاهب، وقد شرحت ذلك في المقال الذي نشرته في جريدة البلاغ منذ سنين في الرد على الفيلسوف ليفي برول، وأنا أقرر بصراحة أن ما نظنه خصائص أصيلة لبعض الديانات هو عند التحقيق محصول قديم تضاءل أثره حينا من الزمان ثم رجعت إليه الحيوية والطرافة حين اقتضى ذلك نظام الكون، والوثنية وإن استقبحها المؤمنون دين صحيح قام على الشعر والخيال والإيمان بوحدة الوجود.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٥٠