تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي مصر اليوم وعاظ يسيرون في البلاد هادين ومرشدين، والأمل كبير في أن يتخلقوا بأخلاق الصوفية؛ فتكون فيهم الوداعة والبشاشة والرفق ليصلوا إلى قلوب الناس، ويحببوهم في الأعماق الصالحات، وقد يوفقون إلى السياسة الرشيدة فيتصلون بمن في الأقاليم من معلمين وموظفين، ويشوقونهم إلى التأدب بأدب الدين الحنيف، ويومئذ يصل الواعظ إلى المنزلة التي كان يتمتع بها الشعراني والمرصفي والشناوي في القرن العاشر، حين كان الصوفية يسيطرون بالأدب الحق على قلوب العوام والخواص.

وقد أفاض الغزالي في علاج الغيبة، وله في ذلك صحائف بيض نود لو يرجع إليها القارئ في الجزء الثالث من الإحياء، فقد تنقله من حال إلى حال، وهو يوصي بأن يتدبر المرء في نفسه، فإن وجد فيها عيبا اشتغل بعيب نفسه، وإذا لم يجد عيبا في نفسه فليشكر الله تعالى، ولا يلوثن نفسه بأعظم العيوب، فإن ثلب الناس وأكل لحم الميتة من أعظم العيوب.

وقد تحدث عمن يشترك في الغيبة مجاملة لإخوانه فقال: علاج ذلك أن تعلم أن الله تعالى يغضب عليك إذا طلبت سخطه في رضاء المخلوقين. فكيف ترضى لنفسك أن توقر غيرك وتحتقر مولاك فتترك رضاه لرضاهم، إلا أن يكون غضبك لله تعالى؛ وذلك لا يوجب أن تذكر المغضوب عليه بسوء، بل ينبغي أن تغضب لله أيضا على رفقائك إذا ذكروه بالسوء، فإنهم عصوا ربك بأفحش الذنوب وهي الغيبة.

44

وتكلم على من يغتاب غيره استهزاء به فقال: وأما الاستهزاء فمقصودك منه إخزاء غيرك عند الناس بإخزاء نفسك عند الله تعالى وعند الملائكة والنبيين عليهم الصلاة والسلام، فلو تفكرت في حسرتك وجنايتك وخجلك وخزيك يوم القيامة لأدهشك ذلك عن إخزاء صاحبك.

44

والصوفية يحرمون الغيبة بالقلب، وهي سوء الظن.

وهذه غيبة هينة من حيث صلتها بالمجتمع؛ لأنها قليلة الإيذاء، ولكن ضررها راجع عليك؛ لأنها تفسد قلبك، وتشغل ضميرك، وتزعزع وجدانك، وتضيع صفاء نفسك. والواجب أن يخلو قلبك خلوا تاما من كل سوء فلا يكون فيه غير صور الخير والجمال.

وكفارة الغيبة هي الندم والتوبة والتأسف واستقالة من أذيتهم بالاغتياب.

قبح النميمة والسعاية

والصوفية يبغضون النميمة، وهي نقل آراء الناس بعضهم في بعض، وهي آفة سيئة العواقب. ولا يقترفها إلا المحرومون من نعمة الحب، حب الخير للناس.

وإذا كانت النميمة إلى من يخاف جانبه سميت سعاية.

قال مصعب بن الزبير: نحن نرى أن قبول السعاية شر من السعاية؛ لأن السعاية دلالة والقبول إجازة، فاتقوا الساعي فلو كان صادقا في قوله لكان لئيما في صدقه؛ حيث لم يحفظ الحرمة ولم يستر العورة.

45

وقال رجل لعمرو بن عبيد: إن الأسواري ما يزال يذكرك في قصصه بشر، فقال له عمرو: يا هذا، ما رعيت حق مجالسة الرجل حين نقلت إلينا حديثه، ولا أديت حقي حين أعلمتني عن أخي ما أكره، ولكن أعلمه أن الموت يعمنا، والقبر يضمنا، والقيامة تجمعنا، والله يحكم بيننا، وهو خير الحاكمين.

46

ورفع بعض السعاة إلى الصاحب بن عباد رقعة نبه فيها على مال يتيم يحمله على أخذه لكثرته، فوقع على ظهر الرقعة: «السعاية قبيحة، وإن كانت صحيحة، فإن كنت أجريتها مجرى النصح فخسرانك فيها أكثر من الربح، ومعاذ الله أن نقبل مهتوكا في مستور. ولولا أنك في خفارة شيبك لقابلناك بما يقتضيه فعلك في مثلك، فتوق يا ملعون العيب، فالله أعلم بالغيب. الميت رحمه الله، واليتيم جبره الله، والساعي لعنه الله».

47

وقال بعضهم: لو صح ما نقله النمام إليك، لكان هو المجترئ بالشتم عليك، والمنقول عنه أولى بحلمك؛ لأنه لم يقابلك بشتمك.

كلمة ختامية في الفرق بين الصوفية وبين غيرهم من رجال الأخلاق

أما بعد، فقد عرضنا ألوانا من المهلكات، وأشرنا إشارات خفيفة إلى طرق الخلاص، ومنهج البحث لا يوجب أن نطيل في شرح المهلكات والمنجيات، فما أردنا إلا الوصول إلى غرض واحد هو بيان الحرص الشديد من جانب الصوفية على تقوية الشخصية الخلقية.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٤٩