تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والرجل الذي يصون لسانه عن الخوض في لغو الحديث لا يصلح اليوم للمجالس، ولا سيما إذا كان أصحاب تلك المجالس من الذين رفعهم الدهر المخبول فوصلوا بالدس والكيد إلى ما يعجز عنه الأحرار والأشراف.

وقد نبه الغزالي على دقائق من الغيبة يقع فيها رجال الدين، ورجال الدين في أغلب أحوالهم من أهل الغفلة والعجرفة، ولا سيما في العصور التي يغلب فيها الرياء.

ولنعط الكلمة للغزالي فهو بأحوالهم أبصر وأعرف، قال:

وأما الأسباب الثلاثة التي هي في الخاصة فهي أغمضها وأدقها؛ لأنها شرور عرضها

42

الشيطان في معرض الخيرات، وفيها خير، ولكن شاب الشيطان بها الشر:

الأول:

أن تنبعث من الدين داعية التعجب في إنكار المنكر والخطأ في الدين فيقول: ما أعجب ما رأيت من أمر فلان! فإنه قد يكون صادقا، ويكون تعجبه من المنكر، ولكن كان حقه أن يتعجب ولا يذكر اسمه فيسهل الشيطان عليه ذكر اسمه في إظهار تعجبه فصار به مغتابا وآثما من حيث لا يدري. ومن ذلك قول الرجل: تعجبت من فلان كيف يحب جاريته وهي قبيحة، وكيف يجلس بين يدي فلان وهو جاهل!

الثاني:

الرحمة، وهو أن يغتم بسبب ما يبتلي به فيقول: مسكين فلان قد غمني أمره، وما ابتلى به! فيكون صادقا في دعوى الاغتمام ويلهيه الغم عن الحذر من ذكر اسمه فيذكره فيصير به مغتابا فيكون غمه ورحمته خيرا، وكذا تعجبه، ولكن ساقه إلى شر من حيث لا يدري، والترحم والاغتمام ممكن دون ذكر اسمه فيهيجه الشيطان على ذكر اسمه ليبطل به ثواب اغتمامه وترحمه.

الثالث:

الغضب لله تعالى، فإنه قد يغضب على منكر قارفه إنسان إذا رآه أو سمعه فيظهر غضبه ويذكر اسمه، وكان الواجب أن يظهر غضبه عليه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يظهره على غيره، أو يستمر اسمه ولا يذكره بالسوء، فهذه الثلاثة مما يغمض دركها على العلماء فضلا عن العوام؛ فإنهم يظنون أن التعجب والرحمة والغضب إذا كان لله تعالى كان عذرا في ذكر الاسم، وهو خطأ.

43

وما قاله الغزالي عن رجال الدين في القرن الخامس هو من آفاتهم في القرن الرابع عشر. ومن النادر جدا أن تتصل برجل من رجال الدين فيوحي إليك بأدبه ولطفه وروحه معاني الهداية، وكيف يكون ذلك وهم لا يعرفون غير القعقعة والجعجعة في خطبهم وأحاديثهم ومقالاتهم! وقد يتفق لهم أن يؤلفوا الكتب وينشئوا المجلات في الدعوة إلى الله، ولكن تنقصهم البشاشة والروحانية فيعجزون عن نقل الناس من الظلمات إلى النور، وقد ينقلونهم أحيانا من الهدى إلى الضلال.

وربما رجع ذلك إلى أزمة وجدانية وعقلية متصلة بالعصر الحديث، فشيوع التعاليم المدنية والأنظمة المدنية أوهم رجال الدين أنهم في حرب مع الجيل الجديد، وهم بالفعل في حرب، وهذا الروح المشبع بسوء الظن والخوف من الهزيمة يحملهم على الإسراف في اتهام أبناء الجيل الجديد بالوقوع في المآثم، والخروج على أدب الدين الحنيف.

وبفضل هذا الإسراف صارت طلعة رجل الدين طلعة كريهة لا يلقاها الناس بالترحيب؛ لأنه لا ينظر إلا إلى عيوبهم، ولا يهتم إلا بالكشف عن مساويهم، ولا يطول لسانه إلا حين يجد مجالا للتقريع والتأنيب، ولو عقل لعرف أن من واجبه أن يدلهم على مبلغ صلاحيتهم للخير والهداية.

وإذا حرم رجال الدين نعمة الحب، حب الناس لهم والتشوف إليهم، فقد عجزوا عجزا تاما عن نصرة الدين، والخير لا ينتظر من الواعظ البغيض الذي لا يحدث الناس إلا بما يكرهون.

ومن المؤلم أن يعجز الأشياخ عما يقدر عليه القسيسون، فالقسيس لا يزال رجلا لطيفا يداخل الناس ويسايرهم ويسامرهم ليعرف أهواءهم، ويقتلها برفق. والترغيب على لسان القسيس أكثر من الترهيب، وقد كان أشياخنا كذلك قبل أن تشيع الأحقاد بين الأحزاب المدنية والدينية، يوم كان «شيخ الطريقة» يدخل البلد فيملأها بالبشاشة والروحانية.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٤٨