تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما رجم رسول الله ماعزا في الزنا قال رجل لصاحبه: هذا أقعص كما يقعص الكلب! فمر

صلى الله عليه وسلم

وهما معه بجيفة فقال: انهشا منها! فقالا: يا رسول الله، ننهش جيفة! فقال: ما أصبتما من أخيكما أنتن من هذه.

وقال الحسن: والله للغيبة أسرع في دين الرجل المؤمن من الأكلة في الجسد.

38

وقال بعضهم: أدركنا السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم، ولا في الصلاة، ولكن في الكف عن أعراض الناس.

وسمع علي بن الحسين رجلا يغتاب آخر فقال له: إياك والغيبة فإنها إدام كلاب الناس.

وإنما أطلنا نقل هذه النصوص لغرضين:

الأول:

دلالتها على اهتمام الصوفية بتقبيح الاغتياب،

والثاني:

ما فيها من الصور الأدبية، فهي جميعا من الكلام النفيس،

وإنا لنرجو أن ينتفع بها أحد القارئين فتكون نعمة من الله على هذا الكتاب.

والغيبة هي أن نذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه، سواء ذكرته بنقص في بدنه أو في نسبه أو في خلقه، أو في فعله، أو في قوله، أو في دينه، أو في دنياه، حتى في ثوبه وداره ودابته.

39

وهي لا تقتصر على اللسان، بل يتحقق أذاها بالتعريض والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة، وكل ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة وهو حرام.

والاغتياب بالكتابة هو في عصرنا أشنع أنواع الاغتياب؛ لأنه ينشر في الكتب والجرائد والمجلات فيطير من أرض إلى أرض.

ومن الغيبة أن تقول: (بعض من مر بنا اليوم، أو بعض من رأيناه) إذا كان المخاطب يفهم منه شخصا معينا، فإذا لم يفهم عينه حاز فقد كان رسول الله

صلى الله عليه وسلم

إذا كره من إنسان شيئا قال: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا.

40

والتصديق بالغيبة غيبة، بل الساكت شريك المغتاب، قال

صلى الله عليه وسلم : المستمع أحد المغتابين.

40

ولا يخرج المستمع من إثم الغيبة إلا أن ينكر بلسانه، أو بقلبه إن خاف، وإن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام آخر يفعل لزمه إثم الغيبة.

وإن قال بلسانه: اسكت، وهو مشته لذلك بقلبه فذلك نفاق، ولا يخرج من الإثم ما لم يكرهه بقلبه.

40

قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم : من أذل عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر على نصره أذله الله يوم القيامة على رءوس الخلائق.

وقال: من رد عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن يرد عن عرضه يوم القيامة.

وقال أيضا: من ذب عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار.

وقد عرض الغزالي أسبابا للغيبة تدل على بصره بأخلاق الناس، وأنا أرجع أسباب الغيبة إلى سبب واحد هو شعور المغتاب بالانحطاط، فهو يريد أن يحط من أقدار الناس ليصبح من المألوف أن الناس جميعا منحطون فيتساوى الفاضل بالمفضول.

والجهلاء يولعون باغتياب العلماء ليوهموا أنفسهم ويوهموا الجمهور أن العلم مزية صغيرة، وأن المزايا كلها فيما يدعيه الجاهلون من متانة الأخلاق.

ومن هنا لم تسلم أعراض العلماء من ألسنة السفهاء، فكل ذي نعمة محسود، وما ظفر رجل بمنزلة علمية أو أدبية أو اجتماعية إلا ضاقت به صدور الجهلاء والمهازيل والمتخلفين.

وسينقضي الدهر قبل أن تصح أخلاق الناس فيثق أهل الفضل بأنهم في أمان من تقول المتقولين، وإرجاف المرجفين، ومكايد المنحطين.

ومن الصور التي لا تزال حية من عهد الغزالي إلى اليوم صورة الرفاق الذين لا تطيب مجالسهم إلا بأكل لحوم الناس، وهي ما سماه «موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام، فإنهم إذا كانوا يتفكهون بذكر الأعراض فيرى أنه لو أنكر عليهم، أو قطع المجلس استثقلوه، ونفروا عنه فيساعدهم، ويرى ذلك من حسن المعاشرة، ويظن أنه مجاملة في الصحبة، وقد يغضب رفقاؤه فيحتاج إلى أن يغضب لغضبهم إظهارا للمساهمة في السراء والضراء فيخوض معهم في ذكر العيوب والمساوي».

41

وقد أخذت هذه الصورة ألوانا جديدة في العصر الحاضر: العصر الدميم الذي لا يفوز فيه إلا أهل البذاءة والرقاعة والانحطاط، وصار من تقاليد المجالس أن يكون فيها سفهاء يقدمون الفواكه المحرمة للآذان الشرهة التي لا يغذيها غير سماع الزور والبهتان.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٤٧