وأكثر من درسوا الأخلاق يتوهمون أنها ترجع إلى غايات نفعية هي الصلاحية للحياة السعيدة بين الناس. ولو تأملوا لعرفوا أن للأخلاق منفعة نفسية، فهي ترسل الأشعة الكريمة على آفاق النفس، وتحيط القلب الطيب بأرواح الفراديس.
ولا يعرف صدق هذه العبارة إلا من راض نفسه على التخلق بأخلاق الحكماء، وما في الأخلاق الصوالح من صعوبة وعسر هو أساس ما فيها من نشوة روحية؛ لأنها تصورنا أمام أنفسنا بصورة القادرين المسيطرين على زيغ الأهواء والميول.
والصوفية يرون الكذب مما يطلب في بعض الأحوال، كأن يتوقف عليه الصلح بين الناس، وكأن يكون وسيلة لتغطية الضغائن والحقود.
ومعنى هذا أن الخلق يحسن أو يقبح تبعا لما يسوق من المغانم، أو يجر من المفاسد.
والذي يدل على استثناء بعض ضروب الكذب ما روي عن أم كلثوم قالت: ما سمعت رسول الله يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: الرجل يقول القول يريد به الإصلاح، والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها.
قال الغزالي: فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء، وفي معناها ما عداها إذا ارتبط به غرض مقصود صحيح، له أو لغيره، أما ماله فمثل أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله فله أن ينكره، أو يأخذه سلطان فيسأله عن فاحشة بينه وبين الله تعالى ارتكبها فله أن ينكر ذلك، فيقول: ما زنيت وما سرقت ... وذلك أن إظهار الفاحشة فاحشة أخرى، فللرجل أن يحفظ دمه وماله الذي يؤخذ ظلما، وعرضه بلسانه وإن كان كاذبا، وإن كان عرض غيره فبأن يسأل عن سر أخيه فله أن ينكره، وأن يصلح بين اثنين، وأن يصلح بين الضرات من نسائه، بأن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه، أو يعتذر إلى إنسان وكان لا يطيب قلبه إلا بإنكار ذنب، وزيادة تودد فلا بأس به.
33
والمهم من كل ذلك هو النص على أن الصوفية يبغضون الكذب أشد البغض حين يكون فيه إضرار وإيذاء، ويتسامحون فيه حين يكون أقرب إلى الخير من الصدق.
مآثم الاغتياب
ننتقل إلى رأي الصوفية في الغيبة: قال الغزالي: «والنظر فيها طويل».
والواقع أن الصوفية جميعا تكلموا على مآثم الاغتياب، وكان في النية أن نعقد فصلا للكلام على هذه الآفة الخبيثة التي يرجع إليها أكثر أسباب الفساد بين الناس، وهي في حقيقة الأمر أفظع المهلكات، وهي سلاح الضعفاء والعاجزين والأوغاد، وما سهلت الغيبة على لسان مخلوق إلا كان ذلك شاهدا على ترديه في بؤرة الانحطاط.
34
والله عز شأنه ذم الغيبة في كتابه العزيز، وشبه صاحبها بأكل لحم الميتة فقال:
ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ، وقال
صلى الله عليه وسلم : كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه. وقال: لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تناجشوا
35
ولا تدابروا، ولا يغتب بعضكم بعضا، وكونوا عباد الله إخوانا. وقال: إياكم والغيبة، فإن الغيبة أشد من الزنا، فإن الرجل قد يزني ويتوب فيتوب الله سبحانه عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه. وقال: مررت ليلة أسرى بي على أقوام يخمشون وجوههم بأظافيرهم فقلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم.
وقال البراء: خطبنا رسول الله حتى أسمع العواتق
36
في بيوتهن، فقال: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته».
وقيل أوحي إلى موسى عليه السلام: من مات تائبا من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة، ومن مات مصرا عليها فهو أول من يدخل النار.
وقال أنس: خطبنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فذكر الربا وعظم شأنه
37
فقال: إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل، وأربى الربا عرض الرجل المسلم.