تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

28

شناعة الكذب

والصوفية ينهون عن الوعد الكاذب، ولا نرى موجبا لشرح هذه الآفة؛ فقد فشت في هذا الزمان حتى صارت من قواعد السلوك. والله المستعان على أهل هذا الزمان!

ويكره الصوفية لمريديهم أن يكذبوا في القول واليمين «وهو من قبائح الذنوب، وفواحش العيوب»،

29

فقد قال الحسن: كان يقال: إن من النفاق اختلاف السر والعلانية، والقول والعمل، والمدخل والمخرج، وقال رسول الله: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، المنان بعطيته، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره. وقال: ما حلف حالف بالله فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا كانت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة. وقال: ثلاثة يحبهم الله، رجل كان في فئة فنصب نحره حتى يقتل أو يفتح الله عليه وعلى أصحابه، ورجل كان له جار سوء يؤذيه فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن، ورجل كان معه قوم في سفر أو سرية

30

فأطالوا السرى حتى أعجبهم أن يمسوا الأرض فنزلوا فتنحى يصلي حتى يوقظ أصحابه للرحيل. وثلاثة يشنأهم الله: التاجر، أو البياع الحلاف والفقير المحتاج،

31

والبخيل المنان.

والصوفية يرون الكذب أقبح من الزنا ويستأنسون بما روي عن عبد الله بن جراد قال: سألت رسول الله فقلت: يا رسول الله، هل يزني المؤمن؟ قال: قد يكون ذلك. قلت: يا نبي الله، هل يكذب المؤمن؟ قال: لا، ثم أتبعها

صلى الله عليه وسلم

بقول الله تعالى:

إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله .

وسمع رسول الله يقول في دعائه: «اللهم طهر قلبي من النفاق، وفرجي من الزنا، ولساني من الكذب».

فجعل الكذب في بشاعة الزنا والنفاق.

وقال

صلى الله عليه وسلم : «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم ، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعابد مستكبر».

وقال: لو أفاء الله علي عدد هذا الحصى لقسمتها بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذابا، ولا جبانا ... وقام رسول الله وكان متكئا فقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ثم قعد وقال: ألا وقول الزور.

وقال: إن العبد ليكذب الكذبة فيتباعد عنه الملك مسيرة ميل من نتن ما جاء به.

وقال: تقبلوا لي بست أتقبل لكم بالجنة، قالوا: وما هن؟ قال: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا ائتمن فلا يخن، وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكفوا أيديكم.

وقال: كل خصلة يطبع أو يطوى عليها المسلم إلا الخيانة والكذب.

ومن أبلغ ما قيل في تقبيح الكذب قول ابن السماك: ما أراني أؤجر على ترك الكذب لأني إنما أدعه أنفة.

وهنا تظهر سماحة التصوف، فالصوفي يكره الكذب؛ لأنه ينافي شرف النفس، وهم مع ذلك فطنوا إلى ما في الكذب من الإضرار بالناس، فنصوا على «أن الكذب ليس حراما لعينه، بل لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره».

32

وقد تكلم الصوفية على ألوان من الأكاذيب، وسكتوا عن أشياء لم تعرفها العصور الماضية إلا قليلا، سكتوا عن الأكاذيب التي يعرفها «المهذبون» من أهل هذا الجيل، وعن الأخبار التي يخترعونها اختراعا أثيما ليغضوا من أقدار الرجال، وهم في هذا يعتمدون على الغفلة الفاشية بين الناس، فأكثر خلق الله يصدقون كل ما يسمعون، والحط من قيمة الرجل باختراع الأكاذيب أمر سهل؛ لأنه يقوم على انعدام الضمير، والضمير عند أكثر من تعرف لفظ بلا مدلول.

والكذب لا يقف ضرره على المكذوب عليه، بل ضرره بالكاذب أقبح وأشنع؛ لأنه يمحق شخصيته الخلقية، ويقفه أمام نفسه موقف الذليل المهين، وأوقح الناس لا يستطيع الفرار من رؤية الأشياء على ما هي عليه، فالكاذب يعرف جيدا أنه كاذب، وهذه المعرفة تؤذيه أشد الإيذاء؛ لأنها تقتل ثقته بشرف النفس، وإذا انعدمت ثقة مخلوق بشرف نفسه فمصيره إلى الانحلال.

والصدق ينفع الناس، ولكن فضله على الصادق أعظم وأجزل؛ لأنه يقدم إلى صاحبه ذخائر من الثقة والأمانة والشرف، وثقة المرء بقدرته على كرم الخصال تسوقه إلى ميادين المجد، وترفع رأسه في السر والعلانية، وتؤهله للمنازل الكريمة بين الرجال.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٤٥