وقد بدأ الشيعة يتأثرون بمذهب أهل السنة في التغافل عن سيئات الماضي، وفي رجال الشيعة لهذا العهد من يروض تلاميذه على دراسة التاريخ دراسة علمية لا مذهبية، وسيأتي يوم قريب جدا يتأدب فيه المسلمون جميعا بأدب الصوفية الذين يستنكرون تكفير مسلم أو تفسيقه بلا بينة ولا برهان.
والتسامح أساس الحب، ولا يعطف المسلمون بعضهم على بعض إلا إذا اقتربوا في فهم الأشياء، وتناسوا ما في التاريخ من ضغائن وظلمات.
24
خطر المزاج
والصوفية يبغضون الإفراط في المزاح والمداومة عليه؛ لأن ذلك يورث الضحك، وكثرة الضحك تميت القلب وتورث الضغينة في بعض الأحوال، وتسقط المهابة والوقار.
25
وقال يوسف بن أسباط: أقام الحسن ثلاثين سنة لم يضحك، وقيل: أقام عطاء السلمي أربعين سنة لم يضحك. ونظر وهيب بن الورد إلى قوم يضحكون في عيد فطر فقال: إن كان هؤلاء قد غفر لهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان لم يغفر لهم فما هذا فعل الخائفين.
26
وقال عمر بن عبد العزيز: اتقوا الله وإياكم والمزاح فإنه يورث الضغينة ويجر إلى القبيح، تحدثوا بالقرآن وتجالسوا به، فإن ثقل عليكم فحديث حسن من أحاديث الرجال.
وقيل: لكل شيء بذر، وبذر العداوة المزاح.
قال الغزالي فإن قلت: فقد نقل المزاح عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وأصحابه فكيف ينهي عنه؟ فأقول: إن قدرت على ما قدر عليه رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وأصحابه وهو أن تمزح ولا تقول إلا حقا، ولا تؤذ قلبا، ولا تفرط فيه، وتقتصر فيه أحيانا على الندور، فلا حرج عليك فيه. ولكن من الغلط العظيم أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة فيواظب عليه ويفرط فيه، ثم يتمسك بفعل الرسول
صلى الله عليه وسلم
فيكون كمن يدور نهاره مع الزنوج ينظر إليهم وإلى رقصهم، ويتمسك بأن الرسول أذن لعائشة في النظر إلى رقص الزنوج في يوم عيد، وهو خطأ؛ إذ من الصغائر ما يصير كبيرة بالإصرار، ومن المباحات ما يصير صغيرة بالإصرار.
27
ولا ريب في أن المزاج فيه أحيانا مطايبات تشرح الصدور، ولكن المهم هو أن لا يقع في المزاح ما يؤذي الرفيق والصديق والجليس، فمن الناس من يأمن جانبك فيمازحك بما لا تحب، وأمثال هؤلاء قد حرمهم الله نعمة الخلق الكريم، وصحبتهم بلاء، وأسوأ الناس حظا في دنياه من ابتلى برفاق محرومين من نعمة الذوق لا يرعون حرمة المجلس ولا حق الجليس.
والمزاح في الأصل فيض من جذل النفس، وقد يجب في بعض الأحيان، ولكن الحيطة فيه قد تصعب، وسياسة النفس عند الانشراح لا يقدر عليها إلا الأقلون، فمن واجب من يهمه أمر نفسه أن يترك المزاح جملة واحدة إلا إن صادف من يدركون قيمة المطايبات، وهم في هذا الزمن أقل من القليل.
يضاف إلى هذا أن الناس لا يدركون النكتة بطعم واحد، فما يضحك له هذا قد يغضب منه ذاك، وفي بني آدم مخلوقات لها أذواق غلاظ، والهرب من صحبة هؤلاء واجب مفروض على الرجل الحصيف.
وقد أثر عن كبار الرجال كثير من المزاح والمطايبات، ولكن هؤلاء الرجال الكبار كانوا يعرفون كيف يمازحون ويطايبون، وكان جلساؤهم في الأغلب من أهل الفطنة والذوق، فما جاز لهم لا يجوز لك، فقد تكون ممن ابتلاهم الله بأن يعيشوا في عصر محروم من نعمة الفطنة والذوق.
وما أحب أن أزيد، وقاك الله من أهل زمانك وحماك!
النهي عن السخرية والاستهزاء
وهناك آفة أشنع من المزاح وهي السخرية والاستهزاء، وذلك محرم لما فيه من الإيذاء، قال الله تعالى:
يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ، ومعنى السخرية الاستهانة والتحقير والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول، وقد يكون بالإشارة والإيماء ... وهذا إنما يحرم في حق من يتأذى به، فأما من جعل نفسه مسخرة وربما فرح من أن يسخر به كانت السخرية في حقه من جملة المزح.