صيانة اللسان عن الفحش واللعن
والصوفية يكرهون للمريد أن يتقعر في الكلام بالتشدق ، وتكلف السجع والفصاحة، والتصنع فيه بالتشبيبات والمقدمات، وما جرت به عادة المتفاصحين المدعين للخطابة،
19
ويذكرون أن عمر بن سعد بن أبي وقاص جاء إلى أبيه سعد يسأله حاجة، فتكلم بين يدي حاجته بكلام فقال له سعد: ما كنت من حاجتك بأبعد منك اليوم، إني سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقول: يأتي على الناس زمان يتخللون الكلام بألسنتهم كما تتخلل البقر الكلأ بألسنتها.
19
ولا يدخل في هذا تحسين ألفاظ الخطابة والتذكير من غير إفراط وإغراب، فإن الغرض من الخطابة تحريك القلوب وتشويقها وقبضها وبسطها، ولرشاقة اللفظ تأثير في ذلك، فأما المحاورات التي تجري لقضاء المصالح فلا ينبغي أن يقع فيها أي تكلف.
ومعنى هذا أن الصوفية يرون التفصح من غير موجب ينافي أدب الرجل المهذب.
والصوفية يكرهون لمريديهم أن تقع ألسنتهم في الفحش، والفحش هو كلام «غليظ» بجانب سلامة الذوق، وقد نهى الرسول عن أن تسب قتلى بدر من المشركين فقال: لا تسبوا هؤلاء، فإنه لا يخلص إليهم شيء مما تقولون، وتؤذون الأحياء، ألا إن البذاء لؤم
20
وقال: إن الله لا يحب الفاحش المتفحش الصياح في الأسواق.
وقال إبراهيم بن ميسرة: يؤتى بالفاحش المتفحش يوم القيامة في صورة كلب أو في جوف كلب.
21
ويكره الصوفية أن يتكلم الرجل عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة «وأكثر ذلك يجري في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به، فإن لأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها فيه، وأهل الصلاح يتحاشون عنها، بل يكنون ويدلون عليها بالرموز فيذكرون ما يقاربها ويتعلق بها ... وهناك عبارات فاحشة يستقبح ذكرها، ويستعمل أكثرها في الشتم والتعيير، وهذه العبارات متفاوتة في الفحش وبعضها أفحش من بعض، وربما اختلف ذلك بعادة البلاد ... والباعث على الفحش إما قصد الإيذاء، وإما الاعتياد الحاصل من مخالطة الفساق وأهل الخبث واللؤم، ومن عادتهم السب».
21
والغزالي بهذه العبارة متنبه إلى تلون الألفاظ بألوان الأقاليم، فما يستقبح هنا قد لا يستقبح هناك، والمعول عليه هو البعد عن مخاطبة الناس بما لا يحبون.
وبسبب هذا التحرز أولع العرب بالتأليف في الكنايات ليرشدوا الجمهور إلى مواقع الخشونة في التعابير، وينبهوه إلى المقبول من الألفاظ في مختلف الأحوال.
ويكره الصوفية أن تجري الألسنة بكلمات اللعن، واللعن عبارة عن الطرد والأبعاد من الله تعالى، وذلك غير جائز إلا على من اتصف بصفة تبعده من الله عز وجل، وهو الكفر والظلم، بأن يقول: لعنة الله على الظالمين وعلى الكافرين. ولكن في لعن أوصاف المبتدعة خطر؛ لأن معرفة البدعة غامضة، ولم يرد فيه لفظ مأثور. والتفصيل فيه أن كل شخص ثبتت لعنته شرعا تجوز لعنته، كقولك: فرعون لعنه الله، وأبو جهل لعنه الله؛ لأنه قد ثبت أن هؤلاء ماتوا على الكفر وعرف ذلك شرعا، أما شخص بعينه في زماننا كقولك زيد لعنه الله، وهو يهودي مثلا، فهذا فيه خطر؛ فإنه ربما يسلم فيموت مقربا عند الله، فكيف يحكم بكونه ملعونا.
22
ونقل الغزالي أن نعيمان شرب الخمر فحد مرات في مجلس رسول الله، فقال بعض الصحابة: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به! فقال الرسول: لا تكن عونا للشيطان على أخيك.
قال الغزالي: وهذا يدل على أن لعن فاسق بعينه غير جائز.
ثم قال: فإن قيل: هل يجوز لعن يزيد لأنه قاتل الحسين أو آمر به؟ قلنا: هذا لم يثبت أصلا. فلا يجوز أن يقال إنه قتله أو أمر به ما لم يثبت، فضلا عن اللعنة؛ لأنه لا تجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق، ولا يجوز أن يرمي مسلم بفسق وكفر من غير تحقيق.
23
ونص الغزالي على اسم يزيد له دلالة اجتماعية، فهو يصور بعض عيوب المجتمع في القرن الخامس، ولعلها من عيوبه إلى اليوم، فقد كان وقوع الناس في أعراض الخلفاء والملوك والوزراء من العيوب الشائعة في الممالك الإسلامية، وإليها يرجع أكبر الأسباب في زعزعة الأمن والثقة بين الناس، والخصومة بين الأمويين والعلويين لها دخل في ذلك، وقد نهى الصالحون عن مضغ حوادث التاريخ، ولا سيما حين ينتهي ذلك إلى النزاع والشقاق، وهذه الآفة على ما فيها من بشاعة كان لها فضل على الأدب يراه من اطلع على كتاب «المدائح النبوية في الأدب العربي»، فقد بينا هناك كيف أتى الكميت بالأعاجيب وهو يهجو الأمويين، وكيف برع دعبل وهو يهجو العباسيين، ولكن ذلك الهجوم على ما فيه من روعة فنية وأدبية لا يليق بالمريد؛ لأن هذه الخصومات أصبحت في ذمة التاريخ، والإقبال عليها قد يولد في النفس أحقادا جديدة يشقى بها الناس من حيث يشعرون أو لا يشعرون.