وقد هدتنا التجارب إلى صدق هذه النظرة الصوفية، فكل ما نجترحه باسم النقد الأدبي هو ضلال في ضلال، وهو يخلق من العداوات والحزازات ما نعجز عن دفعه في أكثر الأحيان.
وقد نهجم على ناس فنصحح أغلاطهم علانية في الجرائد والمجلات، وتكون الحجة أننا نخدم الحياة العلمية والأدبية، وفي هذا ظل من الحق، ولكن من نهجم عليهم يؤذون أنفسهم ويسودون صحائفهم بالطعن فينا، وتشويه سمعتنا عند من نعرف ومن لا نعرف، وقد يكون فيمن نصحح أغلاطهم ناس صغار يستبيحون خلق المآثم والعيوب، وإشاعة الأقاويل والأراجيف.
وفيمن ابتلاهم الله بالصراحة في النقد الأدبي رجل خدم الحياة الأدبية نحو عشرين سنة، فلم يخرج من ذلك الكفاح العنيف إلا بمغانم باطلة هي ما رماه به أدعياء العلم والأدب من أدناس الزور والبهتان.
أستغفر العقل، ففيهم من يظفر من ذلك الكفاح بمحصول نفيس: هو اليأس من أدب الناس، والثقة المتينة بعدل الله. وحسن الظن بالله هو أساس التصوف، وهو لا يتم إلا إن اقترن بسوء الظن بالناس.
وإذا كان الصوفية يكرهون لمريديهم أن يجادلوا الناس، فهناك رجال يكرهون للصوفية أن يعترفوا بوجود الناس، وسيطول ندمهم على ما صنعت أيديهم حين أقاموا الموازين لمؤلفات ودواوين لا يصلح أهلها لشيء، وإن كان الله تلطف فأباحهم الاستمتاع بنعمة الشمس والهواء.
وأي منظر أقبح من منظر مخلوق ترفع اسمه بقلمك، فيكون جزاؤك أن يأكل لحمك في الأندية والمجتمعات؟
وأي ندم أوجع من ندم رجل يخلق بقلمه منازل أدبية لبعض المخلوقات، ثم تعتمد تلك المخلوقات على ما غنمت بفضله من الشهرة فتؤذيه أبلغ إيذاء باسم الانتصاف للحق والغيرة على ما سموه الأدب الرفيع؟
وما قيمة الحياة الأدبية والعلمية إذا خرجنا من خدمتها مجرحين بأظافر الأوباش؟
ولكن لعل لله حكمة فيما يبتلي به العلماء من تصحيح أغلاط الجهلاء.
تباركت يا ربي وتعاليت، فلك الفضل في كل حال، وكنت أحكم الحاكمين في خلق الشر والدمامة والقبح، فتلك أصول قام على أساسها الوجود، ولو رحمت من يرجون رضاك من شر خلقك لكان نصيبهم الضياع.
فيا أيها المريد، جادل من شئت، وناضل من شئت، على شرط أن تكون لك نية حسنة في الجدال والنضال.
ولا يضيرك بعد ذلك أن يأكل لحمك السفهاء، فأنت في وجود لا يسلم فيه من أذى الناس إلا الخاملون والضعفاء، وهل سلم الأنبياء والمرسلون من أذى الناس حتى تطلب السلامة من أذى الناس؟
قبح الخصومة
ولكن تذكر أيها المريد مهما كان حالك وشأنك ما حدث ابن قتيبة إذ قال: مر بي بشر بن عبد الله فقال: ما يجلسك ههنا؟ فقلت: خصومة بيني وبين ابن عم لي فقال: إن لأبيك عندي يدا، وإني أريد أن أجزيك بها، وإني والله ما رأيت شيئا أذهب للدين، ولا أنقص للمروءة، ولا أضيع للذة، ولا أشغل للقب من الخصومة. قال: فقمت لأنصرف فقال لي خصمي: ما لك؟ قلت: لا أخاصمك! فقال: إنك عرفت أن الحق لي! فقلت: لا، ولكني أكرم نفسي عن هذا.
18
والصوفية لا ينكرون أن يخاصم الرجل في سبيل حقوقه، ولكنهم ينكرون اللدد في الخصومة، لما في اللدد من التسلط والإيذاء ولا سيما إذا امتزج اللدد بكلمات لا يحتاج إليها في تأييد الحجة وإظهار الحق «فأما المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد ولا زيادة لجاج على قدر الحاجة، ومن غير قصد عناد وإيذاء ففعله ليس بحرام، ولكن الأولى تركه ما وجد إلى الترك سبيلا، فإن ضبط اللسان في الخصومة على قدر الاعتدال متعذر، والخصومة توغر الصدر وتهيج الغضب. وإذا هاج الغضب نسي المتنازع فيه وبقي الحقد بين المتخاصمين حتى يفرح كل واحد بمساءة صاحبه، ويحزن بمسرته، ويطلق اللسان في عرضه، فمن بدأ بالخصومة فقد تعرض لهذه المحذورات».
18
والحق أن هذا الجانب من الأدب دقيق، فالخصومة في سبيل الحقوق واجبة، ولكنها تجر أحيانا إلى ضيم وهوان. والوقوف أمام المحاكم يغض من أقدار الرجال، وما ينبغي أن يعرف الرجل أبواب المحاكم إلا حين تضيق أمامه جميع المسالك. والذي يقف للدفاع عن حقه أمام المحكمة قد تسوقه الظروف إلى التزيد، والتزيد قبيح، وقد ينتهي إلى رمي الخصم بعبارات أو إشارات لا تصلح للصدور من رجل كريم. ومن هنا كره الصالحون أن يكون الرجل فصيح اللسان أمام القضاة؛ لأن فصاحة اللسان قد تحق الباطل في بعض الأحيان.