تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واللغو والفضول من أظهر شمائل الناس في هذه الأيام، ولا بد من صوفي جديد يضع للمجتمع الحاضر قواعد ينتهي إليها الناس. إن كانوا صالحين للتأدب بأدب الرجال.

وأغرب ما تراه العيون غرام بعض الصحفيين بالبحث عن مذاهب الناس ومسالكهم في الحياة، وقد يطيب لهم أن يسألوك عن كل شيء، كأن من حق الجمهور أن يعرف ما تأكل وما تشرب وما تلبس، وتلك شهوات سخيفة يعيش منها الفارغون والبطالون.

والصوفي يكره لنفسه ولمريديه أن يقعوا في شيء من ذلك، والأدب الحق أن لا تدخل في شؤون معارفك وأصدقائك، بل الأدب كل الأدب أن تجهل من أمورهم كل شيء.

والرجل المهذب هو الذي يدخل بيوت الناس وعينه عمياء، وأذنه صماء، فلا يرى ولا يسمع، ثم يخرج وهو سليم القلب من أوضار الانتقاد والاعتراض.

آفة المراء والجدال

والصوفية يكرهون لمريديهم أن يقعوا في آفة المراء والجدال، ويستأنسون بقول الرسول: من ترك المراء وهو محق بني له بيت في أعلا الجنة، ومن ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة.

15

فترك المراء من المحق أعلا منزلة؛ لأن المحق يجد عسرا وصعوبة في ترك الجدال، ومن أجل ذلك كان انصرافه عن المجادلة أدل على قوة نفسه، وشدة امتلاكه لهواه.

ويستأنسون أيضا بقول الرسول: إن أول ما عهد إلي ربي ونهاني عنه بعد عبادة الأوثان، وشرب الخمر ملاحاة الرال.

16

والرسول يرى الجدال من أسباب انحلال الشعوب ويقول: ما ضل قوم بعد أن هداهم الله إلا أوتوا الجدل.

16

وشواهد الأحوال تؤيد هذه النظرة النبوية، فالأمم التي تكثر فيها المخاصمات والمجادلات هي الأمم المعرضة للانحلال، وأقوى الأمم اليوم هي الأمة الإنجليزية، وهي أقل الأمم غراما بالمجادلات الصحفية والبرلمانية، وستظل قوية إلى أن يبتليها الله بجماعة من الصحفيين الطائشين الذين يقتلعون بالجدل والمهاترة أصول الهيبة والحب من قلوب الناس.

والسر في قبح الجدل يرجع إلى ما فيه من شهوة الاستعلاء، ومن هنا كان خطره على الصداقات والمودات، ولا يمكن أن تصح بينك وبين رجل مودة إذا ظننت أنك أفضل منه، أو ظن أنه أفضل منك.

وكان سفيان يقول: صاف من شئت، ثم أغضبه بالمراء، فليرمينك بداهية تمنعك العيش.

16

وهذا كلام يعرف صدقه من ابتلاهم الله بمجادلة الناس.

وقد شرح الغزالي حقيقة المراء فقال:

حد المراء هو كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه: إما في اللفظ، وإما في المعنى، وإما في قصد المتكلم. وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض. فكل كلام سمعته فإن كان حقا فصدق، وإن كان باطلا أو كذبا ولم يكن متعلقا بأمور الدين فاسكت عنه، والطعن في كلام الغير تارة يكون في لفظه بإظهار خلل فيه من جهة النحو أو من جهة اللغة، أو من جهة العربية، أو من جهة النظم والترتيب بسوء تقديم أو تأخير، وذلك يكون من قصور المعرفة، وتارة يكون بطغيان اللسان، وكيفما كان فلا وجه لإظهار خلله. وأما في المعنى فكأن يقول: ليس كما تقول وقد أخطأت فيه من وجه كذا وكذا. وأما في قصده فمثل أن يقول: هذا الكلام حق، ولكن ليس قصدك منه الحق، وإنما أنت فيه صاحب غرض ... وهذا الجنس إن جرى في مسألة علمية فربما خص باسم الجدل، وهو أيضا مذموم، بل الواجب السكوت، أو السؤال في معرض الاستفادة لا على وجه العناد ... وأما المجادلة فعبارة عن قصد إفحام الغير وتعجيزه وتنقيصه بالقدح في كلامه ونسبته إلى القصور والجهل.

17

ومعنى هذا أن من أدب المريد أن يترك الاعتراض على الناس تركا كليا، ومعناه أيضا أن من سوء السلوك أن نتحدث عن خطب الخطباء، ورسائل الكتاب، وقصائد الشعراء، وآثار المؤلفين، فلا نصحح أغلاطهم، ولا ننبه على الضعيف من أساليبهم، والمبتذل من معانيهم؛ لأن الباعث على ذلك هو الترفع بإظهار العلم والفضل، والتهجم على الغير بإظهار الجهل والنقص، وهما شهوتان باطنتان للنفس.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٤١