ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد .
12
ويمضي الغزالي فيقسم الكلام إلى أربعة أقسام: قسم هو ضرر محض، وقسم هو نفع محض، وقسم فيه ضرر ومنعفة، وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة. أما الذي هو ضرر محض فتركه واجب، وكذلك ما فيه منفعة لا تفي بالضرر. وأما الكلام الذي لا منعة فيه ولا ضرر فهو فضول، والاشتغال به تضييع زمان، وهو عين الخسران.
12
بقي القسم الرابع وهو معرض لأخطار الرياء والتصنع والغيبة وتزكية النفس، ولا يسلم من آفاته إلا من وقف على دقائق الأخلاق.
حقارة الفضول
ويستقبح الصوفية أن يتكلم الرجل فيما لا يعنيه، ويروون أن الرسول قال: أول من يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة، فدخل محمد بن سلام، فقال إليه ناس من أصحاب الرسول وأخبروه بذلك وقالوا: أخبرنا بأوثق عمل في نفسك ترجو به؟ فقال: إني لضعيف، وإن أوثق ما أرجو به سلامة الصدر، وترك ما لا يعنيني.
وأن أبا ذر قال: قال لي رسول الله: ألا أعلمك بعمل خفيف على البدن، ثقيل في الميزان؟ قلت: بلى يا رسول الله، فقال: هو الصمت، وحسن الخلق، وترك ما لا يعنيك.
13
وقال مجاهد: سمعت ابن عباس يقول: خمس هن أحب إلي من الدراهم الموقوفة: لا تتكلم فيما لا يعنيك فإنه فضل - أي فضول - ولا آمن عليك الوزر، ولا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعا، فإنه رب متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه فعنت، ولا تمار حليما ولا سفيها، فإن الحليم يقليك، والسفيه يؤذيك، واذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن يذكرك به، وأعفه مما تحب أن يعفيك منه، وعامل أخاك بما تحب أن يعاملك به. واعمل عمل رجل يعلم أنه مجازى بالإحسان مأخوذ بالاجترام.
13
وقال مؤرق العجلي: أمر أنا في طلبه منذ عشرين سنة لم أقدر عليه، ولست بتارك طلبه. قالوا: وما هو؟ قال: السكوت عما لا يعنيني.
وقد شرح الغزالي حدود هذه الآفة فقال: حد الكلام فيما لا يعنيك أن تتكلم بكل ما لو سكت عنه لم تأثم ، ولم تستضر به في حال أو مآل. مثاله أن تجلس مع قوم فتذكر لهم أسفارك وما رأيت فيها من جبال وأنهار، وما وقع لك من الوقائع، وما استحسنته من الأطعمة والثياب، وما تعجبت منه من مشايخ البلاد ووقائعهم، فهذه أمور لو سكت عنها لم تأثم ولم تستضر بالسكوت.
ومن جملتها أن تسأل غيرك عما لا يعنيك، فأنت بالسؤال مضيع وقتك وقد ألجأت صاحبك أيضا بالجواب إلى التضييع، هذا إذا كان الأمر مما لا يتطرق بالسؤال عنه آفة، وأكثر الأسئلة فيها آفات، فإنك تسأل غيرك عن عبادته مثلا فتقول له: هل أنت صائم؟ فإن قال نعم، كان مظهرا لعبادته فيدخل عليه الرياء، وإن لم يدخل الرياء عليه سقطت عبادته من ديوان السر، وعبادة السر تفضل عبادة الجهر بدرجات، وإن قال: لا، كان كاذبا، وإن سكت كان مستحقرا لك وتأذيت به، وإن احتال لمدافعة الجواب افتقر إلى جهد وتعب فيه، فقد عرضته بالسؤال إما للرياء أو للكذب أو للاستحقار، أو للتعب في حيلة الدفع، وكذلك سؤال عن سائر عباداته، وعن المعاصي، وعن كل ما يخفيه ويستحي منه، وكذلك سؤالك عما حدث به غيرك. وكأن ترى إنسانا في الطريق فتقول: من أين؟ فربما يمنعه مانع من ذكره، فإن ذكره تأذى به واستحيا، وإن لم يصدق وقع في الكذب، وكنت أنت السبب.
14
وهذه الشواهد تمثل أشياء من صور المجتمع لعهد الغزالي، ولو عاش في عصرنا لأضاف أشياء، فمن الناس من يدخل بيتك فيسألك عن كل ما تقع عليه عيناه: يسأل عن تكاليف الأثاث، وعدد الحجرات والغرفات، وقد يسأل عن البيت متى بنيته، وكيف أقمته، وربما سألك عن الجيران وجيران الجيران، وقد يسألك عن أطفالك وعن أسنانهم ومدارسهم، وما تنتظر لهم في المستقبل القريب أو البعيد، وهو لا يسكت عن حالك في وظيفتك، ويرى من حقه أن يعرف مكاسبك ومغانمك، وقد يرى من حقه أيضا أن يعرف تكاليف أثوابك، وأن يبدي ملاحظته السديدة على هندامك!