فمن أين جاء للرجل الذي اسمه محمد أن يقول في وصية من استهداه: «وليسعك بيتك»؟
تلك حكمة لا تخرج إلا من لسان رعاه الله واصطفاه.
أما وصيته بالبكاء على الخطيئة فأمرها معروف. ولا يصلح الرجل للخير إلا إن عرف كيف يبكي على خطاياه.
إن الصوفية يخشون شر اللسان، ويستأنسون بقصة معاذ بن جبل إذا قال: يا رسول الله، أنؤاخذ بما نقول؟ فقال الرسول: ثكلتك أمك يا ابن جبل، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم.
8
ونحن نعرف جيدا أخطار اللسان: فصاحبنا عيسى بن هشام تكدر عيشه وساءت سيرته؛ لأنه ابتلي بعدو سفيه لا يتقي الله في الأعداء والأصدقاء، فأذاع عنه من الإفك ما أذاع ليسقط مكانه في المجتمع، وصديقنا الحارث بن همام كان رجلا يصلح لأعاظم الشؤون، ثم ابتلته المقادير بصديق ينفس عليه مكانته العلمية والأدبية، فأخذ يلمزه من حيث لا يحتسب ليسوي سمعته عند من يملكون منافعه الدنيوية، وأخونا العزيز هيان بن بيان كان خليقا بأن يشغل أعظم منصب في الدولة، ثم شاء الحظ العاثر أن يكون له زميل ساقط الهمة والمروءة والشرف، لا يعيش إلا بالتزلف إلى الكبرياء، ومن الكبرياء من يسرهم أن تسوء سمعة الرجال ليتفردوا بالسيطرة والجبروت.
وكذلك صح عندنا بعد التجارب الأليمة أن السلامة لا تكون إلا لمن رحمه الله فكتب أن يعيش بلا أقرباء ولا أصدقاء ولا رفقاء.
والويل كل الويل لمن وثق بالأصدقاء، وأمن غدر الزمان!
ويعتقد الصوفية أن الأعضاء كلها تذكر اللسان بواجبه وتقول: اتق الله فينا فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا.
9
ويروون أن ابن مسعود كان على الصفايلبي ويقول: يا لسان، قل خيرا تغنم، واسكت عن شر تسلم، من قبل أن تندم.
فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، أهذا شيء تقوله؟ أو شيء سمعته؟ فقال: لا، بل سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقول: إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه.
10
ويروون أن ابن عمر حدث أن رسول الله قال: من كف لسانه ستر الله عورته، ومن ملك غضبه وقاه الله عذابه، ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره.
10
وأن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله أوصني، فقال له الرسول: اعبد الله كأنك تراه، وعد نفسك في الموتى، وإن شئت أنبأتك بما هو أملك من هذا كله، وأشار بيده إلى لسانه.
10
وأن رسول الله قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت.
10
وأن الحسن قال: ذكر لنا أن النبي - صلى الله عليه - قال: رحم الله عبدا قال خيرا فغنم، أو سكت فسلم.
10
وأن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فقال: دلني على عمل يدخلني الجنة، فقال الرسول: أطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تستطع فكف لسانك إلا من خير.
10
وأن الرسول قال: الناس ثلاثة: غانم وسالم وشاجب، فالغانم الذي يذكر الله تعالى، والسالم الساكت، والشاجب الذي يخوض في الباطل.
11
ويؤكدون أن المنصور بن المعتمر لم يتكلم بكلمة بعد عشاء الآخرة أربعين سنة.
وأن الربيع بن خيثم ما تكلم بكلام الدنيا عشرين سنة، وكان إذا أصبح وضع دواة وقرطاسا وقلما، فكل ما تكلم به كتبه، ثم يحاسب نفسه عند المساء.
قال أستاذنا الغزالي طيب الله ثراه:
فإن قلت: فهذا الفضل الكبير للصمت ما سببه؟ فاعلم أن سببه كثرة آفات اللسان من الخطأ والكذب والغيبة والنميمة والرياء والنفاق والفحش والمراء وتزكية النفس والخوض في الباطل والخصومة والفضول والتحريف والزيادة والنقصان وإيذاء الخلق وهتك العورات. فهذه آفات كثيرة وهي سباقة إلى اللسان لا تثقل عليه، ولها حلاوة في القلب، وعليها بواعث من الطبع ومن الشيطان، والخائض فيها قلما يقدر أن يمسك اللسان فيطلقه بما يحب، ويمسكه ويكفه عما لا يحب، فإن ذلك من غوامض العلم، ففي الخوض خطر، وفي الصمت سلامة، فلذلك عظمت فضيلته، هذا مع ما فيه من جمع الهمة، ودوام الوقار، والفراغ للفكر والذكر والعبادة والسلامة من تبعات القول في الدنيا ومن حسابه في الآخرة، فقد قال تعالى: