والقلم في هذا الزمان أخطر الآفات، وعلى حملة الأقلام أكبر الإثم في خلق الضغائن والحقود بين الأفراد والجماعات والشعوب، وهم المسئولون أمام الله وأمام التاريخ عن تكدير السلام وسوق الناس إلى المجاوز البشرية.
وكتاب السياسة لا تروج أسواقهم إلا إن عرفوا بالقدرة والبراعة في تصوير مقاتل الحكومات والأحزاب، والجريدة التي تؤثر العقل على الهوى يتلقاها الناس بفتور وعدم اكتراث؛ لأن في بني آدم حيوانية مقهورة تطلب الغذاء من الأقاويل والأراجيف، ولذلك يصفقون لمن يجترح المآثم باسم الغيرة على عمار الكون مع أنهم يعرفون أن بيته خراب.
وسيأتي يوم تعتدل فيه الموازين الذوقية والأدبية والاجتماعية والسياسية، فيعرف من لم يكن يعرف أن العالم السياسي كان يتلون بألوان الشهوات والأهواء وأن من أقطاب السياسية الدولة من يضرب الأمم بعضها ببعض في خطبة ومقالة، وهو معقول بعقال الشراب.
سيأتي يوم يعرف فيه المسلمون أن حضارتهم العظيمة لم تقوضها غير الأقلام الباغية، أقلام الكتاب والمؤلفين الذين غفلوا عن أخطار الغيبة الاجتماعية، فحبروا الفصول الطوال في المفاضلات بين الأمم الإسلامية حتى شطروها إلى عناصر يبغي بعضها على بعض بلا تورع ولا استحياء.
وثورة الأمة الفارسية على اللغة العربية كانت لها أسباب من هذا النوع.
وثورة الأمة التركية على الحروف العربية كانت لها دواع من هذا القبيل.
ولن تزول آثار هذه الغيبة القلمية إلا يوم يمن الله على المسلمين بكتاب حكماء يعرفون كيف يقتلعون جذور هذه الفتن من الأفئدة والقلوب.
ولكن متى يأتي ذلك اليوم؟
إن الأقلام تقدم ما تشاء من الألوان، وهي تبغي على العدل والسلام بلا حق، وتأخذ الأجر على خدمة البغي والإثم والعدوان.
متى يعرف الناس أن صراخ الأرامل وبكاء اليتامى في أعقاب ما تصنع الحرب من إهلاك الأزواج والآباء كان مرجعه إلى القلم الأثيم؟
متى يعرف الناس أن «الدعايات» التي تنظمها الحكومات والأحزاب هي سموم خطرة تفتك أشد الفتك بطمأنينة الأمم والشعوب.
متى يعرف الناس أن «الدعاية» يجب أن تكون بابا من الهداية؟
متى يفهم بنو آدم قيمة الصدق في الوصف؟
متى يجيء رجل صوفي ينبه أهل هذا الزمان إلى خطر القلم، كما نبه الصوفية إلى خطر اللسان في الأيام الخالية؟
متى؟ مت؟ إن أهل هذا العصر لا يفهمون من الأخلاق إلا شيئا واحدا، هو أن يحسن المرء أساليب الرياء حتى يسلم من شر الجواسيس، فلا تكون له صحيفة في سجلات السوابق، وذلك حظ خسيس لو يعلمون!
مزايا الصمت
كان الصوفية يعرفون أن لا نجاة من خطر اللسان إلا بالصمت، وهم يذكرون أن عقبة بن عامر سأل رسول الله عن النجاة فقال: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك.
7
وفي هذه الكلمات نظام الأخلاق؛ فحفظ اللسان أصل عظيم من أصول السلامة، وقرار المرء في بيته أدب نفيس لا يتأدب به غير أحرار الرجال، وهل كان العطب والهوان إلا في الضجر من أمان البيت؟
إن عورات المرء تنكشف حين يخرج من بيته، وماذا يلقى حين تضيق عليه رحبة البيت؟ يلقى اللاغين والآثمين من أكلة اللحوم - لحوم الأعراض - يلقى المتجبرين من أهل الغواية والإثم والفسوق، يلقى حطب جهنم من الأوباش الذين لا يعرفون كيف يقضون الوقت بالاستماع إلى موعظة حسنة أو الاطلاع على كتاب نفيس.
والناجحون في هذا الوجود هم الذين يعرفون كرامة البيوت.
والصعاليك هم الذين يجدون راحتهم في هجر بيوتهم ليعيشوا من فضلات السفهاء.
وفي الدنيا ناس لا يجدون القوت، ولكنهم يسترون فاقتهم بالقرار في بيوتهم، وهؤلاء هم حزب الله، وهم المصطفون الأبرار يوم ينصب الميزان.
وأبشع هوان في الدنيا هو الاعتماد على الناس، وما مد مخلوق يده إلى صديق أو قريب إلا كان ذلك بداية الخذلان، ولا استطاع المرء أن يعيش في حماية أصدقائه، أو رعاية أقربائه، إلا وقد عرف أنه مخلوق ذليل مهين.