تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما تقدم إنسان أو تخلف إلا كان لسانه من أسباب ما غنم من تقدم، أو رزئ من تخلف.

وشواهد الحال في كل مجتمع تشهد بأن الألسنة لها أثر فعال في مراكز الرجال.

فالرجل العاقل يلقى الناس بما يحبون، ويأبى عليه أدبه أن يواجههم بما يكرهون.

وقد يسوء حظ الرجل وبجانبه التوفيق فيتوهم أن من واجبه أن يصارح الناس بعيوبهم ومساويهم، وهو يحسب ذلك من الشجاعة الأدبية، ولو عقل لعرف أن الشجاعة الصحيحة هي ضبط اللسان وحبسه عن إيذاء الناس.

وقد يتفق في بعض الأحيان أن نقهر على الجهر بكلمة الحق، ولكن تلك الحال هي الشاهد على العجز الموبق، فالرجل الحكيم يستطيع دائما أن يكون عفيف القول رطب اللسان، ولا تصدر الكلمة السفيهة عن لسان الرجل إلا وهو مقهور مغلوب، وما قهره ولا غلبه إلا ضعف عزيمته عن مقاومة ما في صدره من أهواء وشهوات.

آفات الأقلام

اهتم الصوفية بالكلام على آفات الألسنة، وكادوا يسكتون عن آفات الأقلام، وإنما كان الأمر كذلك لأن الأقلام في الأزمان الخالية لم يكن لها مجال.

أما اليوم فالقلم يأسو ويجرح، وهو صديق من أصدقاء السوء والبهتان، كان القدماء يقولون:

جراحات السنان لها التئام

ولا يلتام ما جرح اللسان

وكان اللسان يجرح في بيئات ضيقة محصورة يعد أصحابها بالعشرات أو بالمئات.

أما اليوم فالقلم يجرح في بيئات يعد أصحابها بالألوف أو بالملايين.

والكلمة الجارحة في جريدة أو في مجلة تنتقل من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر، ومن قارة إلى قارة، وتحدث من الآثار السيئة ما تعجز عن غسله الأنهار والبحار.

كانت الغيبة باللسان توجه إلى فرد من الأفراد، أما الغيبة بالقلم فقد تؤذي حكومة من الحكومات أو شعبا من الشعوب.

وما بنا أن ننهى عن نقد الحكومات والشعوب، ولكنا نوازن بين حالين: حال من يغتاب فردا، وحال من يغتاب حكومة أو أمة.

فالذي يغتاب فردا يعطل مصلحة فردية، أما الذي يغتاب حكومة فهو يحرض عليها جماهير كثيرة فيسوق الشعب إلى التمرد والعصيان، ولذلك عواقب تهدد مصالح الألوف والملايين، والذي يغتاب أمة قد يعرضها لأخطار من الوجهة الاقتصادية أو الوجهة الدولية. والناس يقعون في هذه المآثم كل يوم، ولا يتنبهون لخطر ما يصنعون.

ومن تقاليد هذا العصر أن ننشئ الجرائد والملجلات لمحاربة الحكومات والأحزاب، ومن حقنا أن نفعل ذلك، والحجة في أيدينا وهي الغيرة على المصلحة القومية، ولكن يغيب عنا أن الأهواء قد تكون لها مسالك في تزيين ما تتورط فيه أحيانا من الجور والاعتساف.

فالذي يهجم على رئيس الحكومة أو رئيس حزب لا يعرف في الأغلب خطر ما يصنع من الوجهة الأخلاقية؛ لأن التمذهب في الحياة السياسية قد يحول صاحبه إلى طاغية يستبيح كل شيء في تأييد المذهب الذي انحاز إليه، وفي السياسيين رجال عرفوا بالأدب والذوق، ولكنهم في الجدل السياسي يخرجون على ما عرفوا به من التجمل وضبط النفس، حتى لتحسب للرجل منهم شخصيتين مختلفتين أشد الاختلاف.

وإنما كان ذلك لأن مذاهب السلوك في العصر الحديث لا تعرف مآثم الاغتياب في الحياة الاجتماعية والسياسية، كما تعرفها في الحياة الفردية، فرئيس الحكومة أو رئيس الحزب لا يجوز اغتيابه من حيث هو فرد، ولكن يجوز اغتيابه من حيث هو رئيس حكومة أو رئيس حزب، والغيبة الاجتماعية والسياسية أبشع أثرا من الغيبة الفردية، ولكن أين من يتنبه إلى دقائق الأخلاق؟

يضاف إلى ذلك أن الغيبة الاجتماعية والسياسية تنشر بطريقة علنية في الجرائد والمجلات، وقراء الصحف فيهم من يصدق كل ما يقرأ، وهنا وجه الخطر، فلو كان الناس جميعا قادرين على نقد ما يقرأون لخفت أضرار الغيبة الاجتماعية والسياسية، وبقيت مهابة رؤساء الحكومات ورؤساء الأحزاب في صدور الناس.

وإذا كان في الأحاديث النبوية ما ينذر بأن اللسان قد يهوي بصاحبه في النار سبعين خريفا، فنحن نؤكد أن القلم قد يهوي بصاحبه في النار سبع مئة ألف خريف.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٣٧