وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار .
فأطرقت وبكت بكاء أشد من بكائها الأول، ثم أفاقت ولزمت بيتها وأخذت في العبادة، ولم تزل على ذلك حتى ماتت كمدا.
6
وإنما ذكرت هذا الشاهد لعذوبته من الوجهة الأدبية، وهناك شواهد تعد بالمئات، وهي تصور جوانب من حلاوة الأدب وطهارة الأخلاق.
والمهم أن نسجل أن الصوفي يخاف ربه أشد الخوف، ويكره الشهوة أشد الكره، ولا يتقدم ولا يتأخر إلا وهو في حيطة وحذر من أحابيل المفاتن والصبوات.
والصوفية يعرفون مزالق النفوس والأهواء فيتحرزون من النساء، ومن الوجوه الصباح، ويجاهدون أهواءهم بالعزلة في بيوتهم، وبالظمأ والجوع، وبمصاحبة الأتقياء.
وقد أشرنا غير مرة إلى أن الشهوات هي الأصل في عمارة الوجود، ولكن من ذا الذي يرضى أن تذهب مروءته ليعمر الوجود؟
من ذا الذي يرضى أن يكون وقودا في أتون العمران؟
من ذا الذي يرضى أن يكون عضوا في الجمعية الأثيمة التي تعمر الوجود بأسباب الشهوات؟
وما قيمة الوجود كله إذا خرجنا من ربحه خاسرين؟
وما غنيمة الرجل الذي يجاهد لإغناء الحياة الأدبية بالصور الحسية والاجتماعية على نحو ما فعل ميسيه ولامرتين إذا خرج من جهاده بمحصول سخيف هو فقد كرامته بين الناس؟
وهل يستطيع أطرف الأدباء أن يكون أخلد من إبليس؟ إن بعض الأدباء - وأنا منهم - يتوهمون أن وصف الشهوات والمآثم يرفع الأدب ويحييه؛ وذلك ضلال مبين.
فما ظفرت ولا ظفر أمثالي بغير عصارة مريرة الطعم والمذاق.
إن الصوفية أعقل من الأدباء وأشرف.
سيلقى الصوفية ربهم راضين مبتسمين، أما نحن فسنذهب إلى النار في ركاب امرئ القيس الذي أنذره الرسول.
لقد فقدنا كل شيء، حتى الطمع في عفو الله، وهل يعفو الله على من خلدوا آثار المآثم والشهوات باسم الأدب الرفيع؟
إن من أشنع الأضاليل أن تظن أن من الأدب أن تصف كل ما ترى العيون. إن من أشنع الأضاليل أن تحسب أن من واجبك أن تصور كل ما في الوجود.
إن من أسخف الأباطيل أن تخال أنك جندي من جنود الحب والهيام والفتون.
تلك دنيا من الوهم السخيف طفنا بملاهيها ونحن سفهاء، ثم رجعنا نادمين، وأين نحن من الصوفية؟
أين مكان المسود من مكان السيد؟
أين يقع حال اللاهين اللاعبين الذين لا تغنيهم الحلائل عن الخليلات من حال الصوفية الذين لا يعرفون اللذات إلا في حدود الحلال؟
قولوا في الصوفية ما شئتم، ولكن تذكروا أنهم أشراف متصونون يكرهون مواطن التهم ومواضع الشبهات.
وهل في الدنيا حال أشرف من حال من يقطع السبيل على اللاغين والمتقولين، فلا يمكن السفلة من الوقوع في عرضه كلما شاء لهم هواهم أن يلمزوه في الأندية والمجتمعات؟
إن أصغر مزية للتصون هي رد الأعداء خائبين، الأعداء اللئام الذي يعرفون صدق سريرتك، ثم يتوكأون على قصيدة تقولها في منظر جميل ليستبيحوا عرضك عند من تعرف ومن لا تعرف.
إن أهون فضيلة من فضائل التصون هي إجاعة الأوباش الذين لا يجدون وسيلة لإشباع بطونهم غير الوقوع في أعراض الرجال.
فإن قلت إن الصوفية على طهارتهم لم يسلموا من ألسنة الأنذال، فإني أجيبك بأن حالهم أفضل من حال الأديب الوصاف الذي يمكن الأنذال من اتهامه بالإثم والفتون، فلا يجدون من يصرفهم عن غيهم باسم العقل والوجدان.
إن الصوفية أفضل من الأدباء وأشرف .
فليكن من همنا أن نحاول اللحاق بأولئك القوم.
ولكن أين العوائم وأين القلوب!
آفات اللسان
وكما يحترس الصوفية من شهوات البطن والفرج يحترسون من آفات اللسان.
والصوفية هم أكثر الناس كلاما في التحذير من الكذب والغيبة والنميمة والفضول.
وما اتفق لرجل من الصوفية أن يؤلف كتابا إلا تكلم على آفات اللسان. فقد علمتهم التجارب أن اللسان يضر كما ينفع، وهدتهم عظات الأيام إلى أن اللسان قد يجر صاحبه إلى المخاطر والمعاطب.