تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن علامة صدق المريد أن يتزوج فقيرة متدينة ولا يطلب الغنية، فإن لزواج الغنية آفات، منها المغالاة في الصداق، وتسويف الزفاف، وفوت الخدمة، وكثرة النفقة، وإذا أراد طلاق الغنية لسبب مقبول فقد يمنعه الحرص على مالها، والفقيرة بخلاف ذلك.

5

ويستحب الصوفية أن تكون المرأة دون الرجل بأربع: السن والطول والمال والحسب.

وأن تكون فوقه بأربع: الجمال والورع والخلق والأدب.

ويوجب الصوفية أن يصبر الرجل على امرأته، وحدثوا أن أحدهم خطب امرأة ذات جمال، فلما قرب زفافها أصابها الجدري، فاشتد حزن أهلها لذلك خوفا من أن يستقبحها، فأراهم الرجل أن عينيه أصابهما رمد وأن بصره ذهب، وزفت إليه وذهب عن أهلها الحزن، فبقيت عنده عشرين سنة ثم توفيت، ففتح عينيه، فسأله إخوانه عن سر ذلك فقال: تعمدته لأجل أهلها حتى لا يحزنوا، فقيل له: سبقت إخوانك بهذا الخلق.

وتزوج بعض الصوفية امرأة سيئة الخلق فكان يصبر عليها، فقيل له: لم لا تطلقها؟ فقال: أخشى أن يتزوجها من لا يصبر عليها فيتأذى بها.

وللصوفية أحاديث في الزاوج يضيق عن سردها المجال، وللقارئ أن يرجع إلى قصة سعيد بن المسيب في الإحياء فهي صورة من الأدب الرفيع.

ولهم في مدافعة الشهوات آيات.

مدافعة الشهوات

حدث أحمد بن سعيد عن أبيه قال: كان عندنا بالكوفة شاب متعبد، ملازم للمسجد الجامع لا يكاد يفارقه، وكان حسن الوجه، حسن القامة، حسن السمت، فنظرت إليه امرأة ذات جمال وعقل فشغفت به، وطال عليها ذلك، فلما كان ذات يوم وقفت له على الطريق وهو يريد المسجد فقالت له: يا فتى، اسمع مني كلمات أكلمك بها ثم اعمل ما شئت، فمضى ولم يكلمها، ثم وقفت له بعد ذلك على طريقه وهو يريد منزله، فقالت له: يا فتى، اسمع مني كلمات أكلمك بها، فأطرق مليا وقال لها: هذا موقف تهمة، وأنا أكره أن أكون للتهمة موضعا. فقالت له: والله ما وقفت موقفي هذا جهالة مني بأمرك. ولكن معاذ الله أن يتشوف العباد إلى مثل هذا مني، والذي حملني على أن لقيتك في هذا الأمر بنفسي معرفتي أن القليل من هذا عند الناس كثير، وأنتم معاشر العباد على مثال القوارير أدنى شيء يعيبها، وجملة ما أقول لك أن جوارحي كلها مشغولة بك، فالله الله في أمري وأمرك.

فمضى الشاب إلى منزله وأراد أن يصلي فلم يعقل كيف يصلي، فأخذ قرطاسا وكتب كتابا ثم خرج من منزله، وإذا بالمرأة واقفة في موضعها فألقى إليها الكتاب، ورجع إلى منزله. وكان في الكتاب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلمي أيتها المرأة أن الله عز وجل إذا عصاه العبد حلم، فإذا عاد إلى المعصية مرة أخرى ستره، فإذا لبس لها ملابسها غضب الله تعالى لنفسه غضبة تضيق منها السموات والأرض والجبال والشجر والدواب، فمن ذا يطيق غضبه؟ فإن كان ما ذكرت باطلا فإني أذكرك يوما تكون فيه السماء كالمهل، والجبال كالعهن، وبحثوا الأمم لصولة الجبار العظيم، وإني والله قد ضعفت عن إصلاح نفسي، فكيف إصلاح غيري، وإن كان ما ذكرت حقا فإني أدلك على طبيب هدى يداوي الكلوم الممرضة، والأوجاع المرمضة، ذلك الله رب العالمين، فاقصديه بصدق المسألة فإني مشغول عنك بقوله تعالى:

وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع * يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور

فأين المهرب من هذه الآية؟

ثم إنها جاءت بعد ذلك بأيام فوقفت له على الطريق، فلما رآها من بعيد أراد الرجوع لمنزله كيلا يراها فقالت: يا فتى، لا ترجع، فلا كان الملتقى بعد هذا اليوم أبدا إلا غدا بين يدي الله تعالى، ثم بكت بكاء شديدا وقالت: أسأل الله الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ما قد عسر من أمرك!

ثم إنها تبعته وقالت: امنن علي بموعظة أحملها عنك.

فقال: أوصيك بحفظ نفسك من نفسك، واذكري قوله تعالى:

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٣٥